بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
ومنه سبحانه نستمد العون، ونستلهم التوفيق، وعلى نبيه ورسوله محمد نصلي ونسلم، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
وبعد: فهذه مقدمة نسوقها بين يدي المحتسب، ونورد فيها ترجمة مجملة لصاحبه، وكلمة عن نشأة
الاحتجاج للقراءات
وتطوره إلى القرن الرابع، وكلمة أخرى عن الكتاب المحتسب كما عرفناه.
"ابن جني"
هو عثمان بن جني الأزدي بالولاء؛ إذ كان أبوه جني مملوكا روميا يونانيا لسليمان بن فهد الأزدي، وزير شرف الدولة قراوش، ملك العرب وصاحب الموصل1.
وجني -بإسكان الياء، وليس منسوبا- معرب كني، ومعناه في العربية: فاضل، كريم، نبيل، جيد التفكير، عبقري، مخلص2.
ولا يعرف من نسب ابن جني غير أبيه، وله شعر يذكر فيه أن الله عوضه من نسبه علما إليه ينسب وبه يشرف، وأنه يرجع بأرومته إلى قياصرة الروم، الذين دعا النبي لهم، قال:
فإن أصبح بلا نسب ... فعلمي في الورى نسبي
على أني أءول إلى ... قروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقوا ... أرم الدهر ذو الخطب3
أولاك دعا النبي لهم ... كفى شرفا دعاء نبي
وكنيته أبو الفتح، وهي الكنية التي يجريها في كتبه، ويصدر بها في المحتسب كلامه في الاحتجاج، على نحو ما يفعل شيخه أبو علي في الحجة. PageV01P005
وقد ولد ابن جني بالموصل، وفيها نشأ، وإليها ينسب، وتختلف الروايات في تاريخ ميلاده؛ فابن خلكان في الوفيات وياقوت في المعجم يذكران أن مولده كان قبل الثلاثين والثلاثمائة، وأبو الفداء في مختصره يذكر أن مولده كان سنة 302ه.
ويؤيد رواية ابن خلكان وياقوت أن ابن قاضي شهبة يقول في طبقات النحاة: إن ابن جني توفي وهو في سن السبعين، وقد رجحنا في موضع آخر أن وفاته كانت في سنة 392، فهذا يعني أن ولادته كانت سنة 322 أو سنة 321.
وقد يؤيد رواية ابن خلكان وياقوت أيضا ويبعد رواية أبي الفداء قصة مرور الشيخ أبي علي بابن جني سنة 337 وهو متصدر للتدريس في مسجد الموصل، ثم قولة أبي علي له: تزببت وأنت حصرم، حين اعترض عليه في قلب الواو ألفا في نحو: قال، فوجده مقصرا.
فأما أنها تؤيد رواية ابن خلكان وياقوت، فلأنها تقتضي أن يكون أبو الفتح إذ ذاك في الخامسة عشرة من عمره، وهي من أنسب سني العمر لمقالة أبي علي السابقة، فهي تعني أن ابن جني بجلوسه للتدريس فيها قد سبق أوانه، وتكلف من الأمر ما لا قبل لمن في مثل سنه به، وغير بعيد أن يقصر ابن جني في هذه السن في مسألة قلب الواو ألفا، ولا سيما حين يكون صاحب الاعتراض فيها إماما من طراز أبي علي.
صحيح أنه يقل أن يجلس امرؤ للتدريس في الخامسة عشرة من عمره؛ ولكن نبوغ ابن جني حقيق -فيما نعتقد- أن يجعله من هذا القليل، على أنه يجوز أن يكون الأمر كله مجرد مساءلة دارت بين أبي الفتح وبعض قرنائه، وأن أبا علي اختصه بالاعتراض؛ لأنه كان يبدو بينهم المقدم المرموق، وفهم الأمر بعد ذلك لسبب من الأسباب على أنه جلوس للتدريس.
وأما أن هذه القصة تبعد رواية أبي الفداء، فلأنها تقتضي أن يكون أبو الفتح إذ ذاك في الخامسة والثلاثين، وما كان أبو الفتح ليقصر -وهو في هذه السن- في مسألة قلب الواو ألفا، ولا لأبي علي أن يقول قولته تلك، وإلا بدت كلاما لا مناسبة بينه وبين المقام الذي قيل فيه.
وأخذ ابن جني علومه عن كثير من رواة اللغة والأدب؛ منهم: أحمد بن محمد الموصلي، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحاج، وأبو بكر محمد بن الحسن بن مقسم، ثم أبو علي الفارسي.