عجبت للجن وأخبارها ... وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمن الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم ... بين روابيها وأحجارها
قال: فوقع في نفسي حب الإسلام، ورغبت فيه، فلما أصبحت شددت على راحلتي فانطلقت متوجها إلى مكة، فلما كنت ببعض الطريق أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد هاجر إلى المدينة، فأتيت المدينة فسألت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل لي: هو في المسجد فانتهيت إلى المسجد فعقلت ناقتي ودخلته، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس حوله، فقلت: اسمع مقالتي يا رسول الله، فقال أبو بكر: ادنه ادنه، فلم يزل بي حتى دنوت منه صرت بين يديه، فقال: «هات وأخبرني بإتيانك رئيك» ، فقلت:
[البحر الطويل]
أتاني نجي بين هدء ورقدة ... ولم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت عن ذيل الإزار ووسطت ... بي الذعلب الوجناء بين السباسب
فأشهد أن الله لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غالب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى ... وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب
قال: ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بإسلامي فرحا شديدا حتى رئي في وجوههم، فوثب إليه عمر فالتزمه، وقال: قد كنت أحب أن أسمع هذا منك"
حديث رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب في ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم
(32) حدثنا مسعدة بن سعد العطار، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا عبد العزيز بن عمران، حدثني محمد بن عبد العزيز، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، عن عاتكة بنت عبد المطلب، قالت: " رأيت راكبا مثل على أبي قبيس، فصاح: يا آل غدر، ويا آل فجر، انفروا لثلاث، ثم أخذ صخرة من أبي قبيس فرمى بها الركن فتفلقت الصخرة، فما بقيت دار من دور قريش إلا دخلتها منها كسرة غير دور بني زهرة، فقال العباس: إن هذه لرؤيا، اكتميها ولا تذكريها، فخرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة فذكرها له، فذكرها الوليد لأبيه، ففشا الحديث، قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت، وأبو جهل في رهط من قريش يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال أبو جهل: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، قد زعمت عاتكة في رؤياها هذه أنه قال: انفروا لثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن كان ما تقول حقا فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء كتبنا عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب، قال العباس: فوالله ما كان مني إليه شيء إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا: فلما أمسيت أتتني امرأة من بنات عبد المطلب، فقالت: أرضيتم من هذا الفاسق أن يقع في رجالكم ثم يتناول نساءكم وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك نكير، والله لو كان حمزة ما قال ما قال، فقلت: والله كان، وما كان مني إليه نكير، وأيم الله لأتعرضن له، فإن عاد لأكفينكم، قال العباس: فغدوت في اليوم الثالث لرؤيا عاتكة وأنا مغضب على أن فاتني أمر، وأحب أن أدرك شيئا منه، فقال: والله إني لأمشي نحوه، وكان رجلا خفيفا، حديد الوجه، حديد البصر، حديد اللسان، إن خرج من باب المسجد يشتد، فقلت في نفسي: ما له لعنه الله، أكل هذا فرق مني أن أشاتمه؟ إذ قد سمع ما لم أسمع، سمع صوت ضمضم بن زرعة بن عمرو الغفاري يصرخ ببطن الوادي، قد جدع بعيره، وحول رداءه، وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش، قد خرج محمد في أصحابه، ما أراكم تدركونها، الغوث الغوث، قال العباس: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر، وخرجوا على كل صعب وذلول، وأظفر الله عز وجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر، فقالت عاتكة بنت عبد المطلب في تصديق رؤياها وتكذيب قريش لها حين أوقع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: