ويجوز لمن سمى رجلا بذراع ألا يجريه، ويذهب إلى أنه مؤنث.
وقال سيبويه: كراع: "الوجه فيه ترك الصرف [و] من العرب من يصرفه يشبهه بذراع؛ لأنه من أسماء المذكر. قال: وهو أخبث الوجهين".
وقال محمد بن يزيد: ذكر سيبويه واتبعه قوم كثير أنه لو سمى رجلا ذراعا لصرفه في المعرفة، وحجته أنه قال: كثرت تسمية الرجال به. فكأنه اسم صيغ للمذكر. قال محمد بن يزيد: قال سيبويه: وبعضهم يصرف كراعا، وترك الصرف فيه أجود؛ لأنه لم تكثر التسمية به، وقد سموا به، فمن صرف فالحجة فيه من باب الحجة في ذراع. فافهم ما وصفت لك واقتبس عليه إن شاء الله. PageV01P129
باب
ذكر ما تدخله علامة التأنيث و [ما] لا تدخله
من النعوت التي جاءت على مثال فاعل
اعلم أن (فاعلا) إذا اشترك فيه الرجال والنساء دخلته هاء التأنيث؛ كقيلك: رجل قائم، وامرأة قائمة.
وإذا انفرد به النساء دون الرجال لم تدخله هاء التأنيث؛ كقيلك: امرأة حائض وطالق وطامث. فإن قال قائل: لم قالت العرب: امرأة حائض وطالق وطامث؟، فلم يدخلوا الهاء في هؤلاء النعوت، وقالوا: امرأة قائمة وجالسة وقاعدة، فأدخلوا الهاء في هؤلاء النعوت وما أشبههن؟
قيل له: في هذا ثلاثة أقوال:
قال الفراء وأصحابه: الهاء تثبت في قائمة وقاعدة فرقا بين المذكر والمؤنث؛ لأنهم لو قالوا: امرأة قائم لالتبس بقولهم: رجل قائم، فلما كان ذلك كذلك احتاجوا إلى هاء تفصل بها بين فعل المذكر والمؤنث، ولما قالوا امرأة حائض وطالق وطامث لم يحتاجوا إلى هاء تفصل بين فعل المذكر والمؤنث؛ لأن المذكر لا حظ له في هذا الوصف.
وأنكر هذا على الفراء وجماعة من النحويين، ونسبوه في ذلك إلى PageV01P130
الخطأ الفاحش، وأبدوا فيه، وأعادوا، وقال بعضهم: هو بين الانتقاض.
وقال الذي ينقض قوله: إن في الكلام شيئا كثيرا يشترك فيه المذكر والمؤنث لا تثبت فيه الهاء في المؤنث؛ نحو قولهم: بعير ضامر، وناقة ضامر، وبعير ساعل، وناقة ساعل. قال: فلو كان على ما ذكر الفراء لوجب أن يقال: ناقة ضامرة وساعلة؛ لأن السعال يشترك فيه المذكر والمؤنث.
وقال فريق منهم: الذي ينقض على الفراء قوله أن العرب تقول: طلقت جاريتك، وحاضت هند، فيدخلون هاء التأنيث في هذين الفعلين وفيما أشبههما، ولا حظ للرجال فيهن، فلو كان على ما ذكر الفراء لوجب أن يقال: طلق جاريتك، وحاض هند، وطمث جمل؛ لأن الرجال لا حظ لهم في هذه الأفعال.
وقال آخرون منهم: الذي ينقض على الفراء قوله إسقاطهم الهاء مما يشترك فيه الرجال والنساء، فمن ذلك قولهم: غلام بالغ، وجارية بالغ، ورجل أيم، وامرأة أيم. والأيم من النساء: التي لا زوج لها.
والأيم من الرجال: الذي لا امرأة له. PageV01P131
ورجل عانس، إذا أخر التزويج بعدما أدرك قال الشاعر:
منا الذي هو ما إن طر شاربه ... والعانسون ومنا المرد والشيب
ويقال: امرأة عانس، إذا حبست بعد إدراكها، فلم يدخلوا الهاء في هؤلاء النعوت اللاتي يشترك فيهن الرجال والنساء.
قال أبو بكر: والقول عندي في هذا الذي لا يجوز غيره هو قول الفراء؛ لأن كلام العرب يشهد به، والقياس يوجبه، والعارضون PageV01P132
للفراء في قوله بالحجج التي قدمناها أخطئوا من حيث لا يشعرون؛ وذلك أنهم ظنوا أن قول العرب: بعير ضامر وناقة ضامر وبعير ساعل، وناقة ساعل يلزم الفراء به أن يقول: رجل قائم، وامرأة قائم، وهذا خطأ منهم؛ لأن الهاء التي في الناقة لا توجب التأنيث الحقيقي، وذلك أن نجد مثل الناقة تكون فيها هاء التأنيث وهي واقعة على المذكر. من ذلك "الشاة" تقع على المذكر والمؤنث، وفيها علامة التأنيث، و"الأروية" تقع على المذكر والمؤنث وفيها علامة التأنيث قائمة، وكذلك "العظاءة" حكى هشام بن معاوية: رأيت عظاءة على عظاءة، والجداية تقع على المذكر والمؤنث. قال الشاعر: