خطبة السيدة عائشة
في الدفاع عن أبيها
الشارح
أبو بكر بن الأنباري
محمد بن القاسم بن بشار
تحقيق
الدكتور جميل عبد الله عويضة
1429ه / 2008 م
الشارح (¬1) :
ولد أبو بكر محمد بن أبي محمد القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن وقيل الحسين بن بيان بن سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة الأنباري في الأنبار يوم الأحد ، لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب ، سنة إحدى وسبعين ومائتين ، وورد على بغداد وهو بعد صغير ، ونشأ في كنف أبيه اللغوي الكوفي الأديب 0
كان أبو بكر ابن الأنباري من أعلم الناس بنحو الكوفيين ، وأكثرهم حفظا للغة ، وكان صدوقا زاهدا متواضعا فاضلا أديبا ثقة خيرا ، من أهل السنة حسن الطريقة ، أخذ عن أبي العباس ثعلب وخلق.
وروى عنه الدارقطني وجماعة وكتب عنه وأبوه حي ، وكان يملي في ناحية من المسجد وأبوه في ناحية أخرى ، ومرض فعاده أصحابه فرأوا من انزعاج والده أمرا عظيما ، فطيبوا نفسه ، فقال: كيف لا أنزعج وهو يحفظ جميع ما ترون ، وأشار إلى خزانة مملوءة كتبا. PageV01P001
وقال أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي: كان أبو بكر ابن الأنباري يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهدا في القرآن، وكان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها. وقال له أبو الحسن العروضي: قد أكثر الناس في حفظك فكم تحفظ؟ فقال ثلاثة عشر صندوقا. قال: وكان يتردد إلى أولاد الراضي بالله ، فسألته جارية الراضي يوما عن تعبير رؤيا فقال : أنا حاقن ، ثم مضى من يومه فحفظ كتاب الكرماني في التعبير ، وجاء من الغد وقد صار معبرا للرؤيا.
وقال حمزة بن محمد طاهر الدقاق: كان أبو بكر بن الأنباري يملي كتبه المصنفة ومجالسه المشتملة على الحديث والتفسير والأخبار والأشعار كل ذلك من حفظه ، وما أملى من دفتر 0 وقال محمد ابن جعفر التميمي. أما أبو بكر ابن الأنباري فما رأينا أحفظ منه ولا أغزر منه علما ، وكان يحفظ ثلاثة عشر صندوقا وهذا مما لم يحفظه أحد قبله ولا بعده.
وقال أبو العباس يونس النحوي: كان أبو بكر آية من آيات الله تعالى في الحفظ ، وكان أحفظ الناس للغة والشعر. وحكى أبو الحسن الدارقطني: أنه حضر مجلس إملائه في يوم جمعة فصحف اسما أورده في إسناد حديث، إما كان حبان فقال حيان، أو حيان فقال حبان ، قال الدارقطني: فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته وهم ، وهبت أن أوقفه على ذلك، فلما فرغ من إملائه تقدمت إلى المستملي ، فذكرت له وهمه، وعرفته صواب القول فيه وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه ، فقال أبو بكر للمستملي: عرف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب وهو كذا، وعرف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال. PageV01P002
وقال أحمد بن يوسف الأصبهاني: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت: يا رسول الله، عمن آخذ علم القرآن؟ فقال عن أبي بكر الأنباري. وقال أبو الحسن العروضي: اجتمعت أنا وأبو بكر بن الأنباري عند الراضي بالله على الطعام ، وكان الطباخ قد عرف ما يأكل أبو بكر، وشوى له قلية يابسة قال: فأكلنا نحن ألوان الطعام وأطايبه وهو يعالج تلك القلية، ثم فرغنا وأتينا بحلوى فلم يأكل منها ، فقمنا وملنا إلى الخيش، فنام بين يدي الخيش، ونمنا نحن في خيشين ولم يشرب ماء إلى العصر، فلما كان بعد العصر قال: يا غلام، الوظيفة، فجاءه بماء من الجب وترك الماء المزمل بالثلج ، فغاظني أمره وصحت: يا أمير المؤمنين، فأمر بإحضاري وقال: ما قصتك؟ فأخبرته وقلت: يا أمير المؤمنين، يحتاج هذا إلى أن يحال بينه وبين تدبير نفسه لأنه يقتلها، ولا يحسن عشرتها، فضحك وقال له: في هذا لذة وقد جرت له به عادة ، وصار آلفا لذلك فلن يضره، ثم قلت له: يا أبا بكر، لم تفعل هذا بنفسك؟ فقال: أبقي علي حفظي ويحكي أنه كان يأخذ الرطب ويشمه ويقول: أما إنك طيب ولكن أطيب منك ما وهب الله لي من العلم وحفظه. PageV01P003