أتعرف رسما كاطراد المذاهب ... لعمرة وحشا غير موقف راكب
ديار التي كادت ونحن على منى ... تحل بنا لولا نجاء الركائب
قال ابن السكيت: أراد بقوله: غير موقف راكب، إلا أن راكبا وقف، يعني نفسه.
وقال غيره: لم يرد الشاعر هذا؛ ولكنه ذهب إلى PageV01P286
أن غيرا نعت للرسم، تأويله: أتعرف رسما غير موقف راكب، أي ليس بموقف للراكب لاندراس الآثار منه؛
وامحاء معالمه، فمتى بصر به الراكب من بعد ذعر منه، فلم يقف به. وتفسير ابن السكيت يدل على أن الراكب أراد به الشاعر نفسه؛ أي إلا أني أنا وقفت به متذكرا أشاهد وأعاشر. والمذاهب: جلود فيها نقوش مذهبة، قال الشاعر:
ينزعن جلد المرء نز ... ع القين أخلاق المذاهب
والاطراد: التتابع، من قولهم: قد اطرد القول، إذا تتابع. وقوله: ديار التي كادت؛ ونحن على منى تحل: معناه غلبت على قلوبنا، واتصل ذكرها بيننا؛ حتى كادت تحل بنا لقربها من قلوبنا، لولا أن ركائبنا أسرعت ومضت بنا من هذا الموضع؛ وشبيه به قول الآخر:
قد عقرت بالقوم أم الخزرج ... إذا مشت شالت ولم تدحرج
أراد: ذكرناها ونحن ركاب فبهتنا، وأقمنا على دوابنا حتى كأنها عقرى ما تقدر على السير؛ ولا تصل إليه. وقد PageV01P287
يقال: بل أراد رأيناها فبهتنا ووقفنا على دوابنا فكانت كأنها عقرت الدواب إذ لم نقدر على السير عليها.
184 -
والماثل
حرف من الأضداد؛ يقال للقائم: ماثل، وللاصق بالأرض: ماثل. ويقال: رأيت فلانا ماثلا بين يدي فلان، أي قائما بين يديه. وفي الحديث: من سره أن تمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار، ويقال: رأيت شخصا ثم مثل، أي غاب عن عيني، قال أبو خراش يصف صقرا:
يقربه النهض النجيح لما يرى ... وفيه بدو مرة ومثول
أراد بالبدو الظهور، وبالمثول الذهاب. وقال ذو الرمة يصف فلاة:
يظل بها الحرباء للشمس ماثلا ... على الجذل إلا أنه لا يكبر
ذهب إلى أن الحرباء يستقبل الشمس إذا طلعت ثم يدور معها، وذلك في شدة الحر، وقد بين هذا في قوله:
إذا حول الظل العشي رأيته ... حنيفا وفي قرن الضحى يتنصر
وقال أبو زبيد: PageV01P288
واستكن العصفور كرها مع الض ... ب وأوفى في عوده الحرباء
وقال الآخر:
خلقا كثالثة المحاق الماثل
أراد بالماثل الذاهب.
185 - ومما يشبه حروف الأضداد قول العرب: