وبعض
حرف من الأضداد؛ يكون بمعنى بعض الشيء، وبمعنى كله، قال بعض أهل اللغة في قول الله عز وجل حاكيا عن عيسى عليه السلام: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه، معناه: كل الذي تختلفون فيه، واحتج بقول لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يعتلق بعض النفوس حمامها
معناه أو يعتلق كل النفوس، لأنه لا يسلم من الحمام أحد، والحمام هو القدر، وقال ابن قيس:
من دون صفراء في مفاصلها ... لين وفي بعض مشيها خرق
معناه: وفي كل مشيها. وقال غيره: بعض ليس من الأضداد، ولا يقع على الكل أبدا، وقال في قوله عز وجل: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه: ما أحضر من
اختلافكم؛ لأن الذي أغيب عنه لا أعلمه، فوقعت بعض في الآية على الوجه الظاهر فيها، وقال في قول لبيد: PageV01P181
أو يعتلق بعض النفوس حمامها
أو يعتلق نفسي حمامها؛ لأن نفسي هي بعض النفوس. قالوا: ولم يقصد في هذا البيت قصد غيره. وقالوا في قول ابن قيس: وفي بعض مشيها خرق: إذا استحسن منها في بعض الأحوال هذا وجد في مشيها، وربما كان غير هذا من المشي أحسن منه، فبعض دخلت للتبعيض والتخصيص، ولم يقصد بها قصد العموم.
113 - ومما يشبه حروف الأضداد
نحن
. يقع على الواحد والاثنين والجميع والمؤنث، فيقول الواحد:
نحن
فعلنا، وكذلك يقول الاثنان والجميع والمؤنث، والأصل في هذا أن يقول الرئيس الذي له أتباع يغضبون بغضبه، ويرضون برضاه ويقتدون بأفعاله: أمرنا ونهينا، وغضبنا ورضينا؛ لعلمه بأنه إذا فعل شيئا فعله تباعه؛ ولهذه العلة قال الله جل ذكره: أرسلنا وخلقنا، ثم كثر استعمال العرب لهذا الجمع حتى صار الواحد من عامة الناس يقول وحده: قمنا وقعدنا؛ والأصل ذاك.
ويقال أيضا للملك في خطابه: قد أمرتم فلانا، وقد غضبتم على زيد؛ لمثل العلة المتقدمة؛ قال الله عز وجل: PageV01P182
قال رب ارجعون، أراد يا رب ارجعني، أي ردني إلى الدنيا، فجمع الفعل وهو مخاطب واحدا لا شريك له، وقال أبو طالب:
يا رب لا تجعل لهم سبيلا ... على بناء لم يزل مأهولا
قد كان بانيه لكم خليلا
فخاطب الله تعالى بالجمع. وقال الآخر:
وآيسني من كل خير طلبته ... كأنا وضعناه إلى رمس ملحد
فجمع بعد أن وحد. وقال الآخر:
ألم تر ظمياء السبال تبدلت ... بديلا وحلت حبلها من حباليا
لقد سقيت عنا شرابا بسلوة ... ولم نلق عنها في ذوي السلو شافيا
وقال الآخر:
قالت لنا بيضاء من أهل ملل ... مالي أراك شاحبا قلت أجل
فوحد بعد أن جمع. وقال الآخر:
قالت لنا يوم الرحيل خوزل ... ما أنت إلا هكذا مستعمل
عيرا تعريها وعيرا ترحل ... مهلا أبا داود ماذا تفعل
واختلف النحويون في الاعتلال ل نحن، لم كان للاثنين والجميع بلفظ واحد؟ فقال هشام ومن قال بقوله: جعل PageV01P183
جمع أنا وتثنيته على خلاف لفظه، كما قالوا: رجل، وفي جمعه قوم. وقالوا: امرأة، وفي جمعها نسوة، وبعير وفي جمعه إبل؛ فلما كان جائزا أن يخرج الجمع على غير لفظ الواحد ألحقوا نحن به.
وقال بعضهم: لم يجعلوا للتثنية لفظا يخالف لفظ الجمع، كراهية أن تكثر الفروق، فألحقوا التثنية بالجمع؛ لأن التثنية أول الجمع إذا كانت بضم واحد إلى واحد؛ كما أن الجمع بضم شيء إلى شيء.
وقال أبو العباس: إنما سووا بين تثنية أنا وجمعه، وفرقوا بين تثنية أنت وجمعه؛ لأن أنا اسم للمخبر عن نفسه، والمخبر عن نفسه لا يشاركه في فعله اسم يكون لفظه مثل لفظه؛ كما يشارك المخاطب اسم يكون لفظه مثل لفظه؛ ألا ترى أنك تقول لرجلين تخاطبهما: أنت قمت وأنت قمت، فإذا ضممت أنت إلى أنت كان أنتما، ولا يجوز للمتكلم إذا أخبر عن نفسه وعن غيره أن يقول: أنا قمت وأنا قمت؛ بل يقول: أنا قمت وزيد قام؛ فلما كان الاسم الذي يضمه المتكلم إلى اسمه يخالف لفظه اختلق له في التثنية والجمع اسم على غير بناء الواحد. PageV01P184