[مقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم
(الملك الحق المبين، وما توفيقي إلا بالله)
قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري النحوي: الحمد لله حق حمده، على ما أولى من نعمه وفضله، وظاهر من آلائه وطوله. والصلاة على خير خلقه، أبي القاسم خاتم رسله، والأمين على وحيه، والداعي إلى أمره، والسلام على الطيبين من آله وصحبه.
هذا كتاب ذكر الحروف التي توقعها العرب على المعاني المتضادة، فيكون الحرف منها مؤديا عن معنيين مختلفين، ويظن أهل البدع والزيغ والإزراء بالعرب، أن ذلك كان منهم لنقصان حكمتهم، وقلة بلاغتهم، وكثرة الالتباس في محاوراتهم، وعند اتصال مخاطباتهم، فيسألون عن ذلك، ويحتجون بأن الاسم منبئ عن المعنى الذي تحته ودال عليه، وموضح تأويله، فإذا اعتور اللفظة الواحدة معنيان مختلفان لم يعرف المخاطب أيهما أراد المخاطب، PageV01P001
وبطل بذلك معنى تعليق الاسم على المسمي.
فأجيبوا عن هذا الذي ظنوه وسألوا عنه بضروب من الأجوبة: أحدهن أن كلام العرب يصحح بعضه بعضا، ويرتبط أوله بآخره، ولا يعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه، واستكمال جميع حروفه، فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين، لأنها يتقدمها ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر، ولا يراد بها في حال التكلم والإخبار إلا معنى واحد؛ فمن ذلك قول الشاعر:
كل شيء ما خلا الموت جلل ... والفتى يسعى ويلهيه الأمل
فدل ما تقدم قبل جلل وتأخر بعده على أن معناه: كل شيء ما خلا الموت يسير؛ ولا يتوهم ذو عقل وتمييز أن الجلل هاهنا معناه عظيم. وقول الآخر:
يا خول يا خول لا يطمح بك الأمل ... فقد يكذب ظن الآمل الأجل
يا خول كيف يذوق الخفض معترف ... بالموت والموت فيما بعده جلل
فدل ما مضى من الكلام على أن جللا معناه يسير. PageV01P002
وقول الآخر:
فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمي
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
فدل الكلام على أنه أراد: فلئن عفوت لأعفون عفوا عظيما، لأن الإنسان لا يفخر بصفحه عن ذنب حقير يسير؛ فلما كان اللبس في هذين زائلا عن جميع السامعين لم ينكر وقوع الكلمة على معنيين مختلفين في كلامين مختلفي اللفظين. وقال الله عز وجل، وهو أصدق قيل: الذين يظنون أنهم ملاقوا الله أراد: الذين يتيقنون ذلك، فلم يذهب وهم عاقل إلى أن الله عز وجل يمدح قوما بالشك في لقائه، وقال في موضع آخر حاكيا عن فرعون في خطابه موسى: إني لأظنك يا موسى مسحورا. وقال تعالى حاكيا عن يونس: وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه، أراد: رجا ذلك وطمع فيه، ولا يقول مسلم إن يونس تيقن أن الله لا يقدر عليه. ومجرى حروف الأضداد مجرى الحروف التي تقع على PageV01P003
المعاني المختلفة، وإن لم تكن متضادة، فلا يعرف المعنى المقصود منها إلا بما يتقدم الحرف ويتأخر بعده مما يوضح تأويله، كقولك: حمل، لولد الضأن من الشاء، وحمل اسم رجل، لا يعرف أحد المعنيين إلا بما وصفنا. وكذلك يتلمظان، ويقوم عبد الله؛ لا يعرف أن شيئا من هذا منقول عن معناه إلى تسمية الرجال به إلا بدليل يزيل اللبس عن السامعين؛ فمن ذلك ما أنشدنا أبو العباس، عن سلمة، عن الفراء:
إذا ما قيل أي الناس شر ... فشرهم بنو يتلمظان