[العزلة والانفراد]
المؤلف: أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281ه)
المحقق: مسعد عبد الحميد محمد السعدني
الناشر: مكتبة الفرقان - القاهرة
عدد المجلدات: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] PageV01P001
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التحقيق
إن الحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهذ أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فهذا كتاب للإمام الحافظ الواعظ ابن أبي الدنيا، فيه حث على العزلة، وترغيب في الإنفراد، وترك المخالطة.
والعزلة اختلف فيها الناس بين مؤيد لها، وبين رافض لها.
فذهب إلى اختيار العزلة، وتفضيلها على المخالطة: سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، وداود الطائي، وفضيل بن عياض، وسليمان الخواص، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، وبشر الحافي، كذا في " الإحياء " (2/22) .
أما من رفضها وفضل المخالطة: سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن أبي ليلى، وهشام بن عروة، وابن شبرمة، وشريح القاضي، وشريك بن عبد الله، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد ابن جنبل، وجماعة. الإحياء (2/222) .
وقد احتج هؤلاء بما رواه مسلم وغيره، من حديث أبي هريرة، مرفوعا بلفط: " من ترك الجماعة فمات فميتته جاهلية ".
قال الغزالي أبو حامد في " الإحياء " (2/222) : " وهذا ضعيف أي رأي ضعيف وليس الحديث لأن المراد به: الجماعة التي اتفقت آراؤهم على لإمام بعقد البيعة، فالخروج عليهم بغي، وذلك مخالفة بالرأي وخروج عليهم، وذلك محظور لاضطرار الخلق إلى الإمام يجمع رأيهم، ولا يكون ذلك إلا بالبيعة
من الأكثر، فالمخالفة تشويش مثير للفتنة، فليس في هذا تعرض للعزلة اه.
وللمزيد انظر: الإحياء (2/222 224) .
وعن فوائد العزلة، يقول الغزالي في: الإحياء " (2/226 وما بعدها) :
الفائدة الأولى: التفرغ للعبادة والفكر والاستئناس بمناجات الله تعالى عن مناجاة الخلق.
الفائدة الثانية: التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض الإنسان لها غالبا بالمخالطة، ويسلم منها في الخلوة، وهي أربع " الغيبة، والنميمة، والرياء، والسكوت عن الأمر بالمعروف الونهي عن المنكر، ومسارقة الطبع من الأخلاق الرديئة، والأعمال الخبيثة التي يوجبها الحرص على الدنيا.
الفائدة الثالثة: الخلاص من الفتن والخصومات وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها والتعرض لأخطارها، وقلما تخلو البلاد عن تعصبات وفتن وخصومات، فالمعتزل عنهم في سلامة منها.
الفائدة الرابعة: الخلاص من شر الناس.
الفائدة الخامسة: أن ينقطع الناس عنك، وينقطع طمعك عن الناس.
الفائدة السادسة: الخلاص من مشاهدة الثقلاء، والحمقى، ومقاساة حمقهم وأخلاقهم، فإن رؤية الثقيل هي العمى الأصغر. اه بتصرف.
وقال أبو حاتم بن حبان في " روضة العقلاء " (ص 81) : " الواجب على العاقل لزوم الاعتزال عن الناس عاما، مع توقي مخالطتهم؛ إذ الاعتزال من الناس لو يكدر وجود السلامة بلزوم السبب المؤدي إلى المناقشة ".