باب نعت الإيمان في استكماله ودرجاته
أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن معروف أعني ابن أبي نصر في داره بدمشق، في صفر سنة عشرين وأربع مائة، قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن أحمد بن يحيى العسكري صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام هذه الرسالة وأنا أسمع
قال أبو عبيد: أما بعد , فإنك كنت تسألني عن الإيمان , واختلاف الأمة في استكماله , وزيادته ونقصه , وتذكر أنك أحببت معرفة ما عليه أهل السنة من ذلك , وما الحجة على من فارقهم فيه؟ فإن هذا رحمك الله خطب قد تكلم فيه السلف في صدر هذه الأمة وتابعيها ومن بعدهم إلى يومنا هذا , وقد كتبت إليك بما انتهى إلي علمه من ذلك مشروحا مخلصا , وبالله التوفيق، اعلم رحمك الله , أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر فرقتين , فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب , وشهادة الألسنة , وعمل الجوارح
وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة , فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر , وليست من الإيمان وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين , فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا , وينفيان ما قالت الأخرى والأصل الذي هو حجتنا في ذلك اتباع ما نطق به القرآن , فإن الله تعالى ذكره علوا كبيرا قال في محكم كتابه: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] وإنا رددنا الأمر إلى ما ابتعث الله عليه رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل به كتابه , فوجدناه قد جعل بدء الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة عشر سنين , أو بضع عشر سنة , يدعو إلى هذه الشهادة خاصة , وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذ سواها , فمن أجاب إليها كان مؤمنا , لا يلزمه اسم في الدين غيره , وليس يجب عليهم زكاة , ولا صيام , ولا غير ذلك من شرائع الدين , وإنما كان هذا التخفيف عن الناس يومئذ فيما يرويه العلماء رحمة من الله لعباده , ورفقا بهم , لأنهم كانوا حديث عهد بجاهلية وجفائها , ولو حملهم الفرائض كلها معا نفرت منه قلوبهم , وثقلت على أبدانهم , فجعل ذلك الإقرار بالألسن وحدها هو الإيمان المفترض على الناس يومئذ , فكانوا على ذلك إقامتهم بمكة كلها , وبضعة عشر شهرا بالمدينة وبعد الهجرة فلما أثاب الناس إلى الإسلام وحسنت فيه رغبتهم , زادهم الله في إيمانهم أن صرف الصلاة إلى الكعبة
بعد أن كانت إلى بيت المقدس , فقال {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} ثم خاطبهم وهم بالمدينة باسم الإيمان المتقدم لهم في كل ما أمرهم به , أو نهاهم عنه , فقال في الأمر {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] و {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] وقال في النهي {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} [آل عمران: 130] و {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] وعلى هذا كل مخاطبة كانت لهم فيها أمر أو نهي بعد الهجرة , وإنما سماهم بهذا الاسم بالإقرار وحده إذ لم يكن هناك فرض غيره , فلما نزلت الشرائع بعد هذا وجبت عليهم وجوب الأول سواء لا فرق بينها , لأنها جميعا من عند الله وبأمره وبإيجابه فلو أنهم عند تحويل القبلة إلى الكعبة أبوا أن يصلوا إليها , وتمسكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه , والقبلة التي كانوا عليها لم يكن ذلك مغنيا عنهم شيئا , ولكان فيه نقض لإقرارهم لأن الطاعة الأولى ليست بأحق باسم الإيمان من الطاعة الثانية , فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة كإجابتهم إلى الإقرار صارا جميعا معا هما يومئذ الإيمان , إذ أضيفت الصلاة إلى الإقرار والشهيد على أن الصلاة من الإيمان قول الله عز وجل {وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم} وإنما نزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهم على الصلاة إلى بيت المقدس , فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فأي شاهد يلتمس على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية؟