بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب مخارج الفيء ومواضعه التي يصرف إليها، ويجعل فيها
باب الحكم في قسم الفيء، ومعرفة من له فيه حق ممن لا حق له
538 - (524) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان بن سعيد، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه بريدة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم أنهم إن فعلوا فإن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء #316# شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.
قال أبو عبيد: قوله: فإن أبوا أن يتحولوا يعني من دار التعرب إلى دار الهجرة، يقول: إن لم يهاجروا. قال أبو عبيد: فهذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره في الفيء: أنه لم ير لمن لم يلحق بالمهاجرين ويعنهم على جهادهم عدوهم ويجامعهم في أمورهم في الفيء والغنيمة حقا. ثم روى الناس عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه رأى لكل المسلمين فيه شركا. PageV01P315
539 - (525) قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر العمري، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال عمر: «ما أحد من المسلمين إلا له في هذا المال حق، أعطيه أو منعه». PageV01P316
540 - (526) وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان - وبعض الحديث عن أيوب، عن الزهري - في حديث عمر، حين دخل عليه العباس وعلي يختصمان فذكر عمر الأموال ثم قرأ هذه الآية: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الحشر: 7]، {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} [الحشر: 8]، {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم}، {والذين جاءوا من بعدهم} قال: فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له حق فيها - أو قال: حظ - إلا بعض من تملكون من أرقائكم، فإن عشت إن شاء الله ليؤتين كل مسلم حقه - أو قال: حظه - حتى ياتي الراعي بسرو حمير لم يعرق فيه جبينه.
قال أبو عبيد: فهذه آية الفيء، فرأى عمر أن الآية محيطة بالمسلمين، وأنه ليس منهم أحد يخلو من أن يكون له فيها نصيب، ثم اختلف المسلمون بعد ذلك أيضا، فقال قائلون: من لم يكن له غناء عن المسلمين في جهاد عدو، أو قيام بحكم أو اجتباء مال، أو غير ذلك، مما يرجع على المسلمين نفعه، ولم يكن مع هذا من #317# أهل الفاقة والمسكنة، فلا حق له في بيت المال؛ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه، قوله: وليس لهم في الغنيمة والفيء شيء. وقال آخرون: بل المسلمون شركاء في الفيء كلهم، لأنهم أهل دين وقبلة، وهم يد واحدة على الأمم، يواسي بعضهم بعضا، ويرد أقصاهم على أدناهم يذهبون في ذلك إلى كلام عمر، مع احتجاجه بتاويل القرآن، فاختلفوا لاختلاف هذين الحكمين عندهم: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث عمر، وكذلك هما في الظاهر مختلفان ولكل واحد من الفريقين مذهب ومقال، والأمر عندي في ذلك: أن الحكمين لكل واحد منهما وجه غير وجه صاحبه، إلا أن الذي يئول إليه الأمر عندي قول الذين رأوا اشتراك المسلمين في الفيء، وليس هذا براد للأمر الأول، ولكنهما جميعا قد كانا وإنما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسخ ومنسوخ كالتنزيل، وليس ينسخ سنته إلا سنة له أخرى أو تنزيل، فكان منعه صلى الله عليه وسلم من منع من الغنيمة والفيء، إذ تركوا الهجرة: هو الأصل الذي كان عليه بدء الإسلام، وإذ كانت الهجرة تفرق بين حكم المهاجرين وبين من لم يهاجر في الولاية والمواريث والمناكحة والفيء نزل بذلك الكتاب، وجرت به السنة، فأما السنة فقوله: وليس لهم في الغنيمة والفيء شيء وأما التنزيل فقوله: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72]. PageV01P316