قال أبو عبيد: قوله: بنو فلان على رباعتهم الرباعة هي المعاقل وقد يقال: فلان رباعة قومه، إذا كان المتقلد لأمورهم، والوافد على الأمراء في ما ينوبهم، وقوله: إن المؤمنين لا يتركون مفرحا في فداء وعقل. المفرح: المثقل بالدين، يقول: فعليهم أن يعينوه، إن كان أسيرا فك من إساره، وإن كان جني جناية خطأ عقلوا عنه، وقوله: ولا يجير مشرك مالا لقريش يعني اليهود الذين كان وادعهم. يقول: فليس من موادعتهم أن يجيروا أموال أعدائه، ولا يعينوهم عليه، وقوله: ومن اعتبط مؤمنا قتلا فهو قود الأعباط: أن يقتله بريا محرم الدم، وأصل الاعتباط في الإبل: أن تنحر بلا داء يكون بها، وقوله: إلا أن يرضى أولياء المقتول بالعقل، فقد جعل صلى الله عليه وسلم الخيار في القود أو الدية إلى أولياء القتيل وهذا مثل حديثه الآخر:
310#
531 - ومن قتل له قتيل فهو بأحد النظرين إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وهذا يرد قول من يقول: ليس للولي في العمد أن ياخذ الدية إلا بطيب نفس من القاتل ومصالحة منه له عليها وقوله: ولا يحل لمؤمن أن ينصر محدثا أو يؤويه المحدث: كل من أتى حدا من حدود الله عز وجل، فليس لأحد منعه من إقامة الحد عليه.
وهذا شبيه بقوله الآخر:
532 - من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره وقوله: لا يقبل منه صرف ولا عدل.
311#
533 - حدثنا هشيم، عن رجل قد سماه عن مكحول، قال: الصرف التوبة، والعدل: الفدية.
قال أبو عبيد: وهذا أحب إلي من قول من يقول: الفريضة والتطوع، لقول الله تبارك وتعالى: {ولا يؤخذ منها عدل} [البقرة: 48] فكل شيء فدي به شيء فهو عدله. PageV01P309
وقوله: إن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، فهذه النفقة في الحرب خاصة، شرط عليهم المعاونة له على عدوه ونرى أنه إنما كان يسهم لليهود إذا غزوا مع المسلمين بهذا الشرط الذي شرطه عليهم من النفقة، ولولا هذا لم يكن لهم في غنائم المسلمين سهم.
534 - (519) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن الزهري، قال: «كان اليهود يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسهم لهم».
قال أبو عبيد: وقوله: وإن يهود بني عوف أمة من المؤمنين إنما أراد نصرهم المؤمنين ومعاونتهم إياهم على عدوهم بالنفقة التي شرطها عليهم، فأما الدين فليسوا منه في شيء ألا تراه قد بين ذلك فقال: لليهود دينهم وللمؤمنين دينهم وقوله: ولا يوتغ إلا نفسه يقول: لا يهلك غيرها، يقال: قد وتغ الرجل وتغا، إذا وتغ في أمر يهلكه، وقد أوتغه غيره. وإنما كان هذا الكتاب فيما نرى حدثان مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قبل أن يظهر الإسلام ويقوى، وقبل أن يؤمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب، وكانوا ثلاث #312# فرق: بنو القينقاع، والنضير، وقريظة فأول فرقة غدرت ونقضت الموادعة بنو القينقاع، وكانوا حلفاء عبد الله بن أبي، فأجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المدينة، ثم بنو النضير، ثم قريظة فكان من إجلائه أولئك وقتله هؤلاء ما قد ذكرناه في كتابنا هذا. PageV01P311