كان ابن المبارك يحدثه. PageV01P453
830 - (839) بلغني ذلك عنه عن شعبة عن أبي الفيض عن عمر أبي حفص الحمصي #454# أن معاوية أعطى المقداد حمارا، فقبله، فقال له العرباض: ما كان لك أن تاخذه، وما كان له أن يعطيك، فكأني بك قد جئت به يوم القيامة تحمله، قال: فرده المقداد قال شعبة: فذكرت ذلك ليزيد بن خمير، فعرفه، وقال: كان أعطاه إياه من الخمس.
قال أبو عبيد: فهذا ليس له عندي وجه، إذ جاءت هذه الكراهة إلا أن تكون الأصناف الذين هم أهل الخمس كانوا يومئذ أحوج إليه من المقاتلة، فهذا حكم الخمس: أن النظر فيه إلى الإمام، وهو مفوض إليه على قدر ما يرى، فأما الصدقة فلم ياتنا عن أحد من الأئمة ولا العلماء أنه رأى صرفها إلى أحد سوى الأصناف الثمانية الذين هم أهلها: فاختلف حكم الخمس وحكم الصدقة في ذلك، وكلاهما قد سمي أهله في الكتاب والسنة، فنرى أن اختلافهما كان من أجل أن الخمس إنما هو من الفيء، والفيء والخمس جميعا أصلهما من أموال أهل الشرك، فرأوا رد الخمس إلى أصله عند موضع الفاقة من المسلمين إلى ذلك.
(840) ومما يقرب أحدهما إلى صاحبه: أن الله تبارك وتعالى ذكر أولهما بلفظ واحد، فقال: في الخمس: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] فاستفتح الكلام بأن نسبه إلى نفسه، ثم ذكر أهله بعد، وكذلك قال في الفيء: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله} [الحشر: 7] فنسبه جل ثناؤه إلى نفسه، ثم اقتص ذكر أهله، فصار فيهما الخيار إلى الإمام في كل شيء يراد الله به، فكان أقرب إليه، ثم ذكر الصدقة فقال: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] ولم يقل: لله، ولكذا ولكذا، فأوجبها لهم، ولم يجعل لأحد فيها خيارا: أن يصرفها عن أهلها إلى من سواهم، ومعنى هذا أن الصدقة إنما هي من أموال المسلمين خاصة، فحكمها أن تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم، فلا يجوز منها نفل ولا عطاء: فهذه من أموال المسلمين، وذاك من أموال أهل الكفر، فافترق حكم الخمس والصدقة لما ذكرنا. PageV01P453
831 - (841) وقد كان سفيان بن عيينة مع هذا، فيما حكي عنه يقول: إن الله تبارك وتعالى إنما استفتح الكلام في الفيء والخمس بذكر نفسه، لأنهما أشرف الكسب، وإنما ينسب إليه كل شيء يشرف ويعظم، قال: ولم ينسب الصدقة إلى نفسه، لأنها أوساخ الناس.
455#
قال أبو عبيد: وليس هذا براد لمذهبنا، بل هو يحققه؛ لأن الله تبارك وتعالى قرن الفيء والخمس في معنى واحد، ولم يميز بينهما، وأبان الصدقة من ذلك بمعنى سوى هذا، فيما نرى. والله أعلم. PageV01P454