باب اختلاط الرأي وما فيه من الخطأ والضعف
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي
العزيمة حزم والاختلاط ضعف.
وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في التخليط قولهم: اختلط المرعي منها بالهمل.
قال: واصله أن المرعي هي الإبل التي فيها رعاؤها. والهمل: الإبل المهملة التي لا راعي لها. يضرب مثلا للقوم يقعون في تخايط من أمرهم، لا يمكنهم أن يعتزما فيه على رأي. قال الأصمعي: ومثله قولهم: اختلط الخاثر بالزباد.
قال: وكذلك قولهم: " اختلط الحابل بالنابل ".
قال الأصمعي: وهذا كقولهم: ما يدري أيخثر أم يذيب.
واصله في الزبد يذاب فيفسد على صاحبه، فلا يدري أيجعله سمنا أم يدعه زبدا. ومنه قول بشر بن أبي حازم:
وكنتم كذات القدر لم تدر إذ غلت ... أتنزلها مذمومة أم تذيبها
قال الأصمعي: ومن أمثالهم:
قد ترهيأ القوم.
وذلك أن يضطرب عليهم الرأي فيقولوا مرة كذا ومرة كذا.
باب الخطأ في سوء التدبير عند إضاعة الشيء لطلب غيره ثم لا يدركه
قال أبو عبيد: من أمثالهم المعلومة في هذا قولهم: لا ماءك أبقيت ولا درنك أنقيت.
قال: واصله أن رجلا كان في سفر ومعه امرأة، وكانت عاركا، فحضر طهرها ومعها ماء يسير، فاغتسلت به، ثم لم يكفيها لغسلها وقد أنفذت الماء، فبقيت هي وزوجها عطشانين، فعندها قال لها هذه المقالة.
ومن هذا قولهم: نفع قليل وفضحت نفسي.
ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم، وليس هو من هذا بعينه: لا أبوك نشر ولا التراب نفد.
وكان الأحمر يذكر أصل هذا أن رجلا قال: لو علمت أين قتل أبي لأخذت من تراب موضعه فجعلته على رأسي، فقيل له هذا المقالة، أي إنك لا تدرك بهذا ثأر أبيك، ولا تقدر أن تنفد التراب. ويروى عن عون بن عبد الله بن عتبة، وكان أحد الحكماء، إنه قال لرجل: " لا تكن مثل من تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن ".
- باب الخطأ في اتهام النصيح قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا قولهم:
تسقط به النصيحة على الظنة.
أي انك تنصحه فيتهمك. قال أبو عبيد: ومثله قولهم: لا يطاع لقصير أمر.
اخبرني أبن الكلبي عن أصل هذا أن قصير بن سعد كان أشار على جذيمة حين خطب الزباء ألا يفعل وذلك إنه كان قتل أباها، فكانت تطلبه بذحل فلم يقبل منه وتزوجها، ثم صارت إلى قتله، فعندها قال: " لا يطاع لقصير أمر " فذهبت مثلا. وقال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في النصح قولهم: لا تنقر الشوكة بمثلها فإن ضلعها معها.
يقول: لا تستعن في حاجتك بمن هو للمطلوب منه الحاجة أنصح منه لك ومن أمثالهم في التهمة قولهم: عسى الغوير أبوسا.
وقد فسرناه في غريب الحديث. قال الأصمعي وغيره من علمائنا: وإذا اتهم الرجل رجلا فقيل له: من أين هو؟ قال: من بلاد كذا وكذا فقل له: قد أعرضت القرفة.
معناه أن هذا مطلب عريض، لا يقدر عليه، ولا يحاط به.