باب الظالم في عقوبة المحسن البريء
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: مالي ذنب إلا نب صحر.
قال: وصحر اسم امرأة لم يعرف الأصمعي من قصتها غير هذا. وكان المفضل يقتص حديثها يقول: هي صحر ابنه لقمان العادي، وكان أبوها لقمان وأخوها لقيم خرجا مغيرين، فأصابا إبلا كثيرة، فسبق لقيم إلى منزله، فعمدت أخته صحر إلى جزور مما قدم به لقيم فنحرتها وصنعت منها طعاما يكون معدا لأبيها لقمان إذا قدم: تتحف به. وقد كان لقمان حسد ابنه لقيما لتبريزه عليه، فلما قدم لقمان قدمت إليه صحر الطعام، وعلم إنه من غنيمة لقيم، لطمها لطمة قضت عليها: فصارت عقوبتها مثلا لكل من لا ذنب له يعاقب. وفيه يقول خفاف أبن ندبة السلمى:
وعباس يدب لي المنايا ... وما أذنبت إلا ذنب صحر
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم في: جزاء سنمار.
وكان حديثه، فيما يحكيه العلماء، إنه كان بناء مجيدا، وهو من الروم، فبنى الخورق الذي بظهر الكوفه للنعمان أبن امرئ القيس، فلما نظر إليه النعمان كره إن يعمل مثله لغيره، فألقاه من أعلى الخورنق فخر ميتا، وفيه يقول الشاعر:
جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
باب الظلم في عقوبة الإنسان بذنب غيره
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: جانيك من يجني عليك.
يقول: فلا ينبغي أن تنقل عقوبته إلى غيره. وروينا في حديث مرفوع إنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل وابنه: " لا يجني عليك ولا تجني عليه " وقال الآخر: لا تنجي يمينك على شمالك. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في أخذ البرء بذنب صاحب الجناية قول النابغة الذبياني:
حملت على ذنبه وتركته ... كذى العر يكوى غيره وهو راتع
ومثله قولهم: كالثور يضرب لما عافت البقر.
يعني: عافت الماء. وفيه قال أنس بن مدرك:
إني وقتلي سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر
قال الأصمعي: ومن أمثالهم: كل شاة تناط برجلها.
يقول: فلا ينبغي أن يؤخذ أحد بذنب غيره. قال أبو عبيد: وهذا مثل مقول سائر في الناس.