باب الإنابة بعد الاجترام وما في ذلك من الرشاد
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: عاد غيث على ما افسد.
يضرب للرجل يحسن بعد الإساءة. ومن أمثال أكثم بن صيفي:
أقصر لما أبصر.
ومنه الحديث المأثور: التائت من الذنب كمن لا ذنب له.
ومثله: اتبع السيئة الحسنة تمحها. وكذلك قوله: الندم توبة.
باب حذر الإنسان على نفسه ومدافعته عنها
قال الأصمعي: يقال في مثل هذا: جاحش فلان عن خيط رقبته.
أي دافع عن دمه. وخيط رقبته: نخاعه. قال الأصمعي: ومثله قولهم: عن ظهرها تحل وقرا.
قال: وكذلك قولهم: حلأت حالئه عن كوعها. قال الأصمعي: وأصله أن تحلا المرأة الأديم، وهو نزع تحلئه، يعني باطنه، فإن هي رفقت سلمت، وإن خرقت أخطأت فقطعت بالشفرة كوعها. وقال أبو عبيد: وروى عن بعض الماضين، ومثال فيه دعابة، فقيل له: انك لتنطب القول في نفسك، فقال: فإلي من أكلها؟! الذي ادفع عن نفسي إذا لم يكن عنها دافع.
باب الحذر من الانفراد في الأمور وما يكره من الاستبداد بها
قال أبو عبيد: يقال: الذئب خاليا اشد.
يقول إذا وجدك الذئب خاليا كان أجرأ له عليك، فلا تفعل ذلك. قال أبو عبيد: وقد يضرب هذا المثل في الدين أيضا، ومنه حديث يروى عن معاذ إنه قال: عليكم بالجماعة، فإن الذئب إنما يصب من الغنم الشاذة القاصية. قال أبو عبيد: فصار المثل في أمر الدين والدنيا. يضرب لكل متواحد برأيه وبدينه أو بسفره، ومنه حديث عمر " لا يسافر أقل من ثلاثة، فإن مات واحد وليه اثنان. والواحد شيطان، والاثنان شيطانان "
باب المحاذرة للرجل من الشيء قد ابتلى مثله مرة.
قال أبو عبيد: روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مرفوع: " لا يلسع المؤمن من جحر مرتين ".
وتأويله عندنا إنه ينبغي له إذا نكب من وجهه ألا يعود لمثله. ومن أمثالهم في نحو هذا: كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع.
وأصله الرجل يمشي في الوقع، وهي الحجارة، حافيا فيصيبه الوجى، وفهو يحاذر على رجليه من كل شيء ينكبها، ومنه قول الشاعر:
يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... وشركا من أستها لا تنقطع
كأن الحذاء يحتذي الحافي الوقع
يقول: فهو يتمنى نعلين وإن كانتا من جلد الضبع بعد أن ينجو من الحفا، قال أبو عبيد: ويقال في نحوه: من يشتري سيفي وهذا أثره.
يضرب للرجل يتقدم على الأمر الذي قد اختار وجرب. ويقول: إن المثل للأغلب العجلي. ومثل العامة في هذا الباب قولهم: من نهشته الحية حذر الرسن.