باب الإغضاء على المكروه واحتمال الأذى
قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا قولهم:
طويت فلان على بلاله وطويته على بلوله وبللته. أي احتملت منه إساءته وأذاه على ما فيه. وقال الأصمعي: يقال في مثل هذا: لبست عليه أذني.
أي سكت كالغافل الذي لم يسمعه. قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر:
أعرض عن العوراء أن أسمعتها ... وأقعد كأنك غافل لم تسمع
يريد بالعوراء الكلمة القبيحة، وقال الآخر:
قل ما بدا لك من زور ومن كذب ... حلمي أصم وأذني غير صماء
قال أبو عبيد: وقال أكثم بن صيفي في نحو هذا: اليسير يجني الكثير.
وقال أيضا: " الشر يبدؤه صغاره ". وقال مسكين الدارمي في هذا المثل:
ولقد رأيت الشر بي ... ن الحي يبدؤه صغاره
يقول: فاصفح عنه واحتمله لكيلا يخرجك إلى أكثر منه، وقال عدي بن زيد:
شط وصل الذي تريدين مني ... وصغير الأمور يجني الكبيرا
وفي حديث مرفوع، أو عن بعض الصحابة " مكارم أخلاق الدنيا والآخرة أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك " وفي حديث آخر " ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا " وقال الشاعر:
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب يبدؤها الكلام
باب رتق الفتوق وإطفاء النائرة
قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا: إن دواء الشق أن تحوصه.
أي تلاميه وتصلحه. قال أبو عبيد: واصل الحوص الخياطة ومنه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين اشترى قميصا فقطع ما فضل عن
كفيه، ثم قال لرجل: " حصه " يعني خياطة كفافه. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في الإصلاح.
ما كفى حربا جانيها.
معناه أنه إنما يصلح فساد السفهاء غيرهم من ذوي الأحلام والنهى، فأما جناة الحرب فلا يكون بهم إصلاحها. وقال الأصمعي: ومنه قولهم: صار الأمر إلى النزعة.
إذا قام بإصلاح الأمر أهل الأناة والحلم. وفي حديث مرفوع أنه قيل له) أنا قوم نتساءل أموالنا، فقال: " يسأل الرجل في الجائحة والفتق ليصلح بين الناس، فإذا استغنى أو كرب استعف " فأرخص النبي) في المسألة لإصلاح الفتق.