باب الرجل العزيز المنيع الذي يعز به الذليل ويذل به العزيز.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: إن البغاث بأرضنا يستنسر.
قال: والبغاث: الطير التي تصاد واحدتها بغاثة ويقال: بغاث واحد وجمعه بغاثان وقال الزبير بن بكار: البغاث: ذكر الرحم، وقال الشاعر:
كان بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطير اجتمعن على صقر
وقوله: يستنسر أي يصير نسرا فلا يقد على صيده، أي فكذلك نحن في عزنا، فمن جاءونا صار بنا عزيزا. قال أبو عبيد: فإن أرادوا أن من ناوأنا ذل قالوا: لا حر بوادي عوف.
يقول: كل من صار في ناحية خضع له وذل. وكان المفضل يخبر أن المثل للمنذر بن ماء السماء، قاله في عوف من ملحم الشيباني، وذلك إن المنذر كان يطلب زهير بن أمية الشيباني بذحل فمنعه عوف بن ملحم الشيباني، وأبى أن يسلمه، فعندها قال المنذر: لا حر بوادي عوف، أي إنه يقهر كل من حل بواديه، قال الزبير: وكان المنذر حلف ألا يتركه حتى يضع يده في يده فجاء به عوف، فوضع يده في يده، وقال: وما نذرك أبيت اللعن؟ قال: " لا حر بوادي عوف ". وكان أبو عبيدة يقول: هو عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وقد يقال: إن قولهم: " لا حر بوادي عوف " إنه كان يقتل الأسرى ولا يعتقهم. ومن أمثالهم في العز قولهم: تمرد مارد وعز الأبلق.
وكان المفضل يقول: هذا المثل للزباء الملكة، وكانت سارت إلى مارد حصن دومة الجندل، وإلى الأبلق حصن تيماء فامتنعا عليها، فعدها قالت: " تمرد مارد وعز الأبلق "، وقال أوس بن حارثة في العز: من قل ذل ومن أمر فل.
قوله: أمر يعني كثر وقوله: فل يعني إنه يغلب من ناوأه ويفله بالكثرة والعز.
باب الرجل الصعب الخلق، والشديد اللجاجة
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: لتجدن فلانا ألوى بعيد المستمر.
وكان المفضل فيما بلغني عنه، يذكر أن المثل للنعمان بن المنذر، قاله في خالد بن معاوية السعدي، ونازعه رجل عنده، فوصفه النعمان بهذه الصفة، فذهبت مثلا. وقال الأصمعي: ومثله قولهم: ما بللت من فلان بأفوق ناصل.
وأصله السهم المكسور الفوق، الساقط النصل، يقول: فهذا ليس كذلك في الرجال، ولكنه كالسهم القوي. وقال الأصمعي: ومثله قولهم: ما بللت منه بأعزل وهو الذي لا سلاح معه ويقول: فهذا ليس كذلك ولكنك وجدته معدا. قال أبو عبيدة: ومثله قولهم: ما تقرن بفلان الصعبة.
أي إنه يذل من ناوأه قال أبو محمد سلمة: الذي نعرفه " بفلان تقرن الصعبة: قال أبو عبد الله الزبير: وهو عندي كذلك. قال الأصمعي: ومثله:
ما يقعقع لي بالشنان.
ومثله: لقد كنت ما أخشى بالذئب. وكنت أريد وما يقاد بي البعير.
قال ومثله: ما يصطلى بناره.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في صعوبة الخلق واللجاجة: لج فحج.
يضرب للرجل إذا بلغ من لجاجته إن يخرج إلى شيء ليس من شأنه. وأصله أن رجلا لج في الغيبة عن أهله حتى خرج إلى حج وما يريد الحج.