ويروى عن يونس بن عبيد إنه قال: ليست خلة من خلال الخير تكون في الرجل وهي أحرى أن تكون جامعة لأنواع الخير كلها فيه حفظ اللسان.
باب الاقتصاد في المنطق وما يتقى فيه من الإكثار والهذر.
قال أبو عبيد واسمه معمر بن المثنى: من أمثالهم في هذا: من أكثر أهجر.
قال أبو عبيد: يعني أن المكثر ربما خرج إلى الهجر، وهو الكلام القبيح. وقال أكثم بن صيفي: المكثار كحاطب الليل.
قال أبو عبيد: وإنما شبهه بحاطب الليل لأنه ربما نهشته الحية أو لسبته العقرب في احتطابه ليلا، قال: فكذلك هذا المهذار ربما أصابه في إكثاره بعض ما يكره وقال أكثم أيضا: الصمت يكسب أهله المحبة وقال غيره من الحكماء
الندم على السكوت خير من الندم على القول. وقال الثالث: عيي صامت خير من عيي ناطق. وقال بعض أشياخنا: كان ربيعة الرأي مكثارا، فسمعا أعرابي يوما يتكلم، فلما كان عند انقضاء مجلسه سأله رجل: ما تعدون العي عندكم بالبادية؟ فقال الأعرابي: ما هذا فيه منذ اليوم، يعني إكثار ربيعة. ويروى في الحديث عن لقلمان الحكيم إنه قال: الصمت حكم وقيل فاعله وقال علقمة بن علاثة الجعفري، وكان من حكماء العرب.
أول العي الاختلاط وأسوء القول الإفراط.
باب القصد في المدح وما يؤمر به من ذلك
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا:
من حفنا أورافنا فليقصد. ويقول: من مدحنا فلا يغلون في ذلك. ولكن ليتكلم بالحق منه. قال أبو عبيد: ومنه حديث مرفوع " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنت أفضل قريش قولا، وأعظمها طولا. فقال النبي عليه السلام: يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستجرينكم الشيطان ". وروينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه " إن رجلا أثنى عليه في وجهه فقال له علي: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.
قال أبو عبيد: ترى معناه إنه أتهمه بأنه يصفه بخلاف ما في قلبه وكان مورج العجلي يقول: من أمثالهم في إفراط المادح أن يقولوا: شاكه أبا فلان.
قال: وأصل هذا إن رجلا كان يعرض فرسا له، فقال له رجل: أهذه فرسك التي كنت تصيد عليها الوحش؟ فقال له رب الفرس: شاكه أي قارب في المدح، والمشاكهة للشيء هو الذي يشبهه أو يدنو من شبهه. قال أبو عبيد: والعامة تقول في هذا المثل: دون ذا ينفق الحمار وكلام العرب هو الأول. ومن هذا قولهم:
لا تهرف بما لا تعرف والهرف هو الإطناب وفي الثناء والمدح، ويروى عن وهب بن منبه إنه قال: إذا سمعت الرجل يقول فيه من الخير ما ليس فيك فلا تأمن أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك.