بسم الله الرحمن الرحيم
جماع أبواب الأمثال في وصف المنطق
باب المثل في حفظ اللسان وما يؤمر به منه للتقوى وسلامة الدين مع الموعظة
فيه.
قال أبو عبيد: وجدنا من الأمثال في حفظ اللسان والحض عليه قول عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره ما على الأرض شيء أحق بطول سجن لسان.
فجعل عبد الله الفم للسان سجنا يمنعه من الجهل والزلل، كما يحبس أهل الدعارة في السجون.
ومنها قول انس بن مالك: ما اتقى الله أحد حق تقاته حتى يخزن من لسانه.
فجعل الفم للسان خزانة، كما جعل أبن مسعود له سجنا.
ومنها قول شداد بن أوس الأنصاري: ما تكلمت بكلمة منذ كذا وكذا حتى أخطمها وأزمها.
قال أبو عبيد: فقد علم إنه ليس هناك خطام ولا زمام، وإنما جعل هذا مثلا لمنعه لسانه من بوادر الفلتات والخطأ.
ومنها قول شريح بن الحارث قاضي الكوفة لرجل سمعه يتكلم
امسك عليك نفقتك.
قال أبو عبيدك فجعل النفقة التي يخرجها من ماله مثلا لكلامه. وقد جاءنا في بعض الحديث إنه قال: " ما صداقة الفضل من صداقة من قول ".
ومنها قول عمر بن عبد العزيز: التقي ملجم.
قال أبو عبيد: فقد علم إنه ليس هناك لجام، إنما هو كنحو ما ذكرناه من سجن اللسان وخزنه وحفظه وخطمه وزمه ويقال في نحو من هذا: من أغتاب خرق، ومن استغفر رقع.
ويقال: " رفأ " وكذلك قولهم: من صدق الله نجا.
وفي حديث آخر مرفوع " وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ".
باب حفظ اللسان لما يخاف على أهله من عقوبات الدنيا
قال: أبو عبيد: من أمثالهم في هذا مقالة أكثم بن صيفي التميمي: مقتل الرجل بين فكيه.
يعني لسانه. والفكان: اللحيان. وقال بعض العرب لرجل وهو يعظه في حفظ اللسان: إياك أن يضرب لسانك عنقك.
ومنه قول الشاعر:
رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثا مغيرا
ومنه قول أكثم بن صيفي أيضا: رب قول أشد من صول.
وقد يوضع هذا المثل أيضا فيما يتقى من العار. ومن كلام أكثم أيضا في حفظ اللسان من خطأ القول وهذره: ولكل ساقطة لاقطة.
قال أبو عبيد: وهذا تحذير من سقط الكلام، يقول: إن في الناس من يلتقطه فينميه ويشيعه حتى يورط قائله، فأحذره.
وقال الأصمعي واسمه عبد الملك بن قريب: من أمثالهم في التحفظ: ربما أعلم فأذر.
يريد إني قد أدع ذكر الشيء وأنا به عالم لما أحاذر من غبه. قال أبو عبيد: ومن جناية اللسان على صاحبه قولهم: محا السيف ما قال ابن داره أجمعا وهو سالم بن دارة بني عبد الله بن غطفان، وكان هجا بعض بني فزارة فأغتاله الفزاري حتى ضربه بسيفه. قال أبو عبد الله الزبير بن بكار القاضي: هو سالم بن دارة، وكان اسم دارة مسافعا. ضربه زميل بن أبي أبرد الفزاري ثم المازني، وكان يعرف بأمه أم دينار، قال: فأخبرني محمد بن الضحاك عن أبيه قال: مسافع أبو سالم لزميل بعد أن أمن: ويحك يا زميل، لم قتلت سالما؟ فقال: أحرقني بالهجاء، قال: أنت أشعر الناس حين تقول:
أجارتنا من يجتمع يتفرق ... ومن يك رهنا للحوادث يغلق
قال: أبو عبيد: وأخبرني الأصمعي عن أبي الأشهب العطاري قال: كان يقال: إذا وقي الرجل الشر لقلقه وقبقبة وذبذبه فقد وقي.
قال: فاللقلق: اللسان،
والقبقب: البطن، والذبذب: الفرج. وفي بعض الأحاديث " إن أبن آدم إذا أصبح كفرت أعضاؤه للسان فتقول له: أتق الله فأنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت أعوججنا " ومن أمثالهم المعروفة في هذا: " من صدق الله عز وجل نجا " يكون في القول والعمل جميعا.