"ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعارا من أفواه جلسائه ليدخلها في باب التحفظ والتذكر3، وربما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبدا أن يقولوا شعرا جيدا، لمكان أعراقهم من أولئك PageV01P256
الآباء" ثم قال: "ولولا أن أكون عيابا، ثم للعلماء خاصة، لصورت لك بعض ما سمعت من أبي عبيدة، ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة"1.
(299) واعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب ما بلغوه إلا لأن الخطأ فيه عظيم، وأنه يفضي بصاحبه إلى أن ينكر الإعجاز ويبطل التحدي من حيث لا يشعر. وذلك أنه إن كان العمل على ما يذهبون إليه، من أن لا يجب فضل ومزية إلا من جانب المعنى، وحتى يكون قد قال حكمة أو أدبا، واستخرج معنى غريبا أو تشبيها نادرا2، فقد وجب اطراح جميع ما قاله الناس في الفصاحة والبلاغة، وفي شأن النظم والتأليف، وبطل أن يجب بالنظم فضل، وأن تدخله المزية، وأن تتفاوت فيه المنازل. وإذا بطل ذلك، فقد بطل أن يكون في الكلام معجز، وصار الأمر إلى ما يقوله اليهود ومن قال بمثل مقالهم في هذا الباب، ودخل في مثل تلك الجهالات، ونعوذ بالله من العمى بعد الإبصار. PageV01P257
باب اللفظ والنظم: فصل منه
فصل: إرادة معنى بعبارتين، ما معناه:
(300) لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى، حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها.
فإن قلت: فإذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك، فليستا عبارتين عن معنى واحد، بل هما عبارتان عن معنيين اثنين.
قيل لك: إن قولنا "المعنى" في مثل هذا، يراد به الغرض، والذي أراد المتكلم أن يثبته أو ينفيه، نحو إن تقصد تشبيه الرجل بالأسد فتقول "زيد كالأسد"، ثم تريد هذا المعنى بعينه فتقول: "كأن زيدا الأسد"، فتفيد تشبيهه أيضا بالأسد، إلا أنك تزيد في معنى تشبيهه به زيادة لم تكن في الأول، وهي أن تجعله من فرط شجاعته وقوة قلبه، وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن الأسد، ولا يقصر عنه، حتى يتوهم أنه أسد في صورة آدمي.
وإذا كان هذا كذلك، فانظر هل كانت هذه الزيادة وهذا الفرق إلا بما توخي في نظم اللفظ وترتيبه، حيث قدم "الكاف" إلى صدر الكلام وركبت مع "أن"؟ وإذا لم يكن إلى الشك سبيل أن ذلك كان بالنظم، فاجعله العبرة في الكلام كله، ورضى نفسك على تفهم ذلك وتتبعه، واجعل فيها أنك تزاول منه أمرا عظيما لا يقادر قدره، وتدخل في بحر عميق لا يدرك قعره.
فصل: هو فن آخره يرجع إلى هذا الكلام
تفصيل آخر، في العبارتين ترى أنهما يؤديان غرضا واحدا:
(301) قد علم أن المعارض للكلام معارض له من الجهة التي منها ويوصف بأنه فصيح وبليغ، ومتخير اللفظ جيد السبك، ونحو ذلك من الأوصاف التي نسبوها إلى اللفظ. وإذا كان هذا هكذا، فبنا أن ننظر فيما إذا أتي به كان معارضا ما هو؟ أهو أن يجيء بلفظ فيضعه مكان لفظ آخر، نحو أن يقول بدل "أسد" "ليث"، وبدل "بعد" "نأى"، ومكان "قرب" "دنا"، أم ذلك ما لا يذهب إليه عاقل ولا يقوله من به طرق؟ 1 كيف؟ ولو كان ذلك معارضة لكان الناس لا يفصلون بين الترجمة والمعارضة، ولكان كل من فسر كلاما معارضا له. وإذا بطل أن يكون جهة للمعارضة، وأن يكون الواضع نفسه في هذه المنزلة معارضا على وجه من الوجوه، علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ، دون الألفاظ أنفسها، لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ، وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ المجردة2، إلا ما ذكرت، لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة ترجع إلى معاني الكلام المعقولة، دون ألفاظه المسموعة. وإذا عادت المعارضة إلى جهة المعنى، وكان الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخير اللفظ، حصل من ذلك "الفصاحة" و"البلاغة" و"تخير اللفظ" عبارة عن خصائص ووجوه تكون PageV01P259