(225) وعلى الجملة، فكل عاقل يعلم بون ما بين الخبر بالجملة مع "الذي" وبينها مع غير "الذي"، فليس من أحد به طرق إلا وهو لا يشك أن ليس المعنى في قولك1: "هذا الذي قدم رسولا"2، كالمعنى إذا قلت: "هذا قدم رسولا من الحضرة" ولا "الذي يسكن في محلة كذا"، كقولك: "هذا يسكن محلة كذا"، وليس ذاك إلا أنك في قولك: "هذا قدم رسولا من الحضرة" مبتدئ خبرا بأمر لم يبلغ السامع ولم يبلغه ولم يعلمه أصلا وفي قولك: "هذا الذي قدم رسولا"، معلم في أمر قد بلغه أن هذا صاحبه3، فلم يحل إذن من الذي بدأنا به في أمر الجملة مع "الذي"، من أن ينبغي أن تكون جملة قد سبق من السامع علم بها فاعرفه، فإنه من المسائل التي من جهلها جهل كثيرا من المعاني، ودخل عليه الغلط في كثير من الأمور، والله الموفق للصواب. PageV01P201
الفروق في الحال:
فروق في الحال لها فضل تعلق بالبلاغة:
الحال، ومجيئها جملة مع الواو تارة، وبغير الواو تارة:
(226) إعلم أن أول فرق في الحال أنها تجيء مفردا وجملة، والقصد ههنا إلى الجملة.
وأول ما ينبغي أن يضبط من أمرها أنها تجيء تارة مع "الواو" وأخرى بغير "الواو"، فمثال مجيئها مع الواو قولك: "أتاني وعليه ثوب ديباج"، و "رأيته وعلى كتفه سيف"، و "لقيت الأمير والجند حواليه"1، و "جاءني زيد وهو متقلد سيفه" ومثال مجيئها بغير "واو": "جاءني زيد يسعى غلامه بين يديه" و "أتاني عمرو يقود فرسه"، وفي تمييز ما يقتضي "الواو" مما لا يقتضيه صعوبة.
(227) والقول في ذلك أن الجملة إذا كانت من مبتدإ وخبر، فالغالب عليها أن تجيء مع "الواو" كقولك: "جاءني زيد وعمرو أمامه" و "أتاني وسيفه على كتفه"، فإن كان المبتدأ من الجملة ضمير ذي الحال، لم يصلح بغير "الواو" البتة، وذلك كقولك: "جاءني زيد وهو راكب" و "رأيت زيدا وهو جالس"، و "دخلت عليه وهو يملي الحديث" و "انتهيت إلى الأمير وهو يعبئ الجيش"، فلو تركت "الواو" في شيء من ذلك لم يصلح. فلو قلت: "جاءني زيد هو راكب"، و "دخلت عليه هو يملي الحديث"، لم يكن كلاما.
(228) فإن كان الخبر في الجملة من المبتدإ والخبر ظرفا، ثم كان PageV01P202
قد قدم على المبتدإ كقولنا: "عليه سيف" و "في يده سوط"، كثر فيها أن تجيء بغير "واو". فمما جاء منه كذلك قول بشار:
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها ... خرجت مع البازي علي سواد1
يعني علي بقية من الليل، وقول أمية:
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا2
قول الآخر:
لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها في يديك قضيب3
كل ذلك في موضع الحال، وليس فيه "واو" كما ترى، ولا هو محتمل لها إذا نظرت.
(229) وقد يجيء ترك "الواو" فيما ليس الخبر فيه كذلك، ولكنه لا يكثر، فمن ذلك قولهم: "كلمته فوه إلى في" و "رجع عوده على بدئه"، في قول من رفع ومنه بيت "الإصلاح".
نصف النهار، الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري4 PageV01P203
ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو علي في "الإغفال"1:
ولولا جنان الليل ما آب عامر ... إلى جعفر، سرباله لم يمزق2
(230) ومما ظاهره أنه منه قوله:
إذا أتيت أبا مروان نسأله ... وجدته حاضراه الجود والكرم3
فقوله: "حاضراه الجود"، جملة من المبتدأ والخبر كما ترى، وليس فيها "واو"، والموضع موضع حال، ألا تراك تقول: "أتيته فوجدته جالسا"، فيكون "جالسا" حالا، ذاك لأن "وجدت" في مثل هذا من الكلام لا تكون المتعدية إلى مفعولين، ولكن المتعدية إلى مفعول واحد كقولك: "وجدت الضالة" إلا أنه ينبغي أن تعلم أن لتقديمه الخبر الذي هو "حاضراه" تأثيرا في معنى الغنى عن "الواو"، وأنه لو قال: "وجدته، الجود والكرم حاضراه" لم يحسن حسنه الآن، وكان السبب في حسنه مع التقديم، أنه يقرب في المعنى من قولك: "وجدته حاضره الجود والكرم" أو "حاضرا عنده الجود والكرم".