الفروق في الخبر: القصر في التعريف
الخبر معرفا بالألف واللام، نحو "زيد هو الشجاع"، وتفصيل فروق الوجه الأول:
(195) وعلم أنك تجد "الألف واللام" في الخبر على معنى الجنس، ثم ترى له في ذلك وجوها:
أحدهما: أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه لقصدك المبالغة، وذلك قولك: "زيد هو الجواد" و"عمرو هو الشجاع"، تريد أنه الكامل إلا أنك تخرج الكلام في صورة توهم أن الجود أو الشجاعة لم توجد إلا فيه، وذلك لأنك لم تعتد بما كان من غيره، لقصوره عن أن يبلغ الكمال. فهذا.
كالأول في امتناع العطف عليه للإشراك، فلو قلت: "زيد هو الجواد وعمرو"، كان خلفا من القول.
معنى الوجه الثاني:
(196) والوجه الثاني: أن تقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه، لا على معنى المبالغة وترك الاعتداد بوجوده في غير المخبر عنه، بل على دعوى أنه لا يوجد إلا منه. ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى بشيء يخصصه ويجعله في حكم نوع برأسه، وذلك كنحو أن يقيد بالحال والوقت كقولك: "هو الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيرا". وهكذا إذا كان الخبر بمعنى يتعدى، ثم اشترطت له مفعولا مخصوصا، كقول الأعشى:
هو الواهب المئة المصطفاة، ... إما مخاضا وإما عشارا1
فأنت تجعل الوفاء في الوقت الذي لا يفي فيه أحد، نوعا خاصا من الوفاء، وكذلك تجعل هبة المئة من الإبل نوعا خاصا، وكذا الباقي. ثم إنك تجعل كل هذا خبرا على معنى الاختصاص، وأنه للمذكور دون من عداه.
ألا ترى أن المعنى في بيت الأعشى: أنه لا يهب هذه الهبة إلا الممدوح؟ وربما ظن الظان أن "اللام" في "هو الواهب المئة المصطفاة" بمنزلتها في نحو "زيد هو المنطلق"، من حديث كان القصد إلى هبة مخصوصة2، كما كان القصد إلى انطلاق مخصوص. وليس الأمر كذلك، لأن القصد ههنا إلى جنس من الهبة مخصوص، لا إلى هبة مخصوصة بعينها. يدلك على ذلك أن المعنى على أنه يتكرر منه، وعلى أن يجعله يهب المئة مرة بعد أخرى3، وأما PageV01P180
المعنى في قولك: "زيد هو المنطلق"، فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة وادة، لا إلى جنس من الانطلاق. فالتكرر هناك غير متصور، كيف؟ وأنت تقول: "جرير هو القائل وليس لسيفي في العظام بقية"1، تريد أن تثبت له قيل هذا البيت وتأليفه.
فأفصل بين أن تقصد إلى نوع فعل، وبين أن تقصد إلى فعل واحد متعين، حاله في المعاني حال زيد في الجرال، في أنه ذات بعينها.
الوجه الثالث:
(197) والوجه الثالث: أن لا يقصد قصر المعنى في جنسه على المذكور، لا كما كان في "زيد هو الشجاع" تريد أن لا تعتد بشجاعة غيره ولا كما ترى في قوله: "هو الواهب المئة المصطفاة"، ولكن على وجه ثالث، وهو الذي عليه قول الخنساء:
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا2
لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل، ولم تقيد الحسن بشيء فيتصور أن يقصر على البقاء، كما قصر الأعشى هبة المئة على الممدوح، ولكنها أرادت أن تقره في جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد، ولا يشك فيه شاك.
(198) ومثله قول حسان:
وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد3 PageV01P181