[دلائل الإعجاز في علم المعاني]
المؤلف: أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار (المتوفى: 471ه)
المحقق: محمود محمد شاكر أبو فهر
الناشر: مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة
الطبعة: الثالثة 1413ه - 1992م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
- أ -
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، والحمد لله الذى هدانا به وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وصلى الله على نبينا محمد الذى نزل القرآن العظيم بلسانه لسانا عربيا مبينا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، اللهم صل على محمد وعلى أبويه إبرهيم وإسماعيل وسلم تسليما كثيرا. اللهم اغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين.
وبعد فمنذ دهر بعيد، حين شققت طريقى إلى تذوق الكلام المكتوب، منظومه ومنثوره، كان من أوائل الكتب التى عكفت على تذوقها كتاب "
دلائل الإعجاز
"، للشيخ الإمام " أبى بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجانى "، الأديب النحوي، والفقيه الشافعى، والمتكلم الأشعرى [توفى سنة 471 ه، أو سنة 474 ه]، ويومئذ تنبهت لأربعة أمور:
الأول: أنه بدا لى أن عبد القاهر كان يريد أن يؤسس بكتابه هذا علما جديدا استدركه على من سبقه من الأئمة الذين كتبوا فى " البلاغة " وفى " إعجاز القرآن "، ولكن كان غريبا عندى أشد الغرابة، أنه لم يسر في بناء كتابه سيرة من من يؤسس علما جديدا، كالذى فعله سيبويه فى كتابه العظيم، أو ما فعله أبو الفتح ابن جنى فى كتابه " الخصائص "، أو كالذى فعله عبد القاهر نفسه فى كتابه " أسرار البلاغة "، بل كان عمله وهو يؤسس هذا العلم الجديد، مشوبا بحمية جارفة لا تعرف الأناة فى التبويب والتقسيم والتصنيف، وكأنه كان في عجلة من أمره، وكأن منازعا كان ينازعه عند كل فكرة يريد أن يجليها ببراعته وذكائه وسرعة لمحه، وبقوة حجته ومضاء رأيه.
-ب -
الثاني: أني وقفت في كتابه على أقوال كثيرة لم ينسبها بصريح البيان إلى أصحابها، حتى نتبين من يكون هؤلاء؟ وكان من أعظم ما حيرني قولان رددهما في مواضع كثيرة من كتابه؛ بل إن الكتاب كله يدور على رد هذين القولين وإبطال معناها؛ الأول قول القائل: "إن المعاني لا تتزايد، وإنما تتزايد الألفاظ"، [دلائل الإعجاز: 63، 395] = الثاني، قول القائل: "إن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلمات، ولكن تظهر بالضم على طريقة مخصوصة"، [دلائل الإعجاز: 394، 466، 467].
الثالث: أن عبد القاهر جمع هذين القولين في فصل واحد، [ص: 394، 395]، وجمع معهما قوله: "ثم إن هذه الشائعات التي تقدم ذكرها، تلزم أصحاب الصرفة"، أيضا" [ص: 390]، والقول بالصرفة من أقوال المعتزلة، فبدا لي يومئذ أن بين هذين القولين وأصحاب "الصرفة" من المعتزلة نسبا، ولكني لم أقف على ما يرضيني إن ذهبت هذا المذهب.
الرابع: أن عبد القاهر في مواضع متناثرة كثيرة، قد دأب على التعريض بأصحاب "اللفظ"، وبالذين يقولون: "بالضم على طريقة مخصوصة"، وأوهموا أنه "النظم" الذي ذكره الجاحظ في صفة القرآن [دلائل الإعجاز: 251]، وهو أيضا "النظم" الذي عليه مدار علم عبد القاهر الذي أسسه، فكان مما شغلني، أطول كلام من تعريضه بهم، وهو ما جاءني في أواخر كتابه "دلائل الإعجاز"، وهو قوله: