ثم الاختلاف في الكتاب، من الذين يقرون به, على نوعين: أحدهما اختلاف في تنزيله، والثاني اختلاف في تأويله, وكلاهما فيه إيمان ببعض دون بعض:
فالأول كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، فطائفة قالت: هذا الكلام حصل بقدرته ومشيئته لكونه مخلوقا في غيره لم يقم به، وطائفة قالت: بل هو صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق، لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته, وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل، فآمنت ببعض الحق، وكذبت بما تقوله الأخرى من الحق، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
وأما الاختلاف في تأويله، الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض، فكثير، PageV01P516
كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر، هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: "أبهذا أمرتم؟ أم بهذا وكلتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا" 1. وفي رواية: "يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به". وفي رواية: "فإن الأمم قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا، وإن المراء في القرآن كفر" 2. وهو حديث مشهور، مخرج في "المسانيد والسنن". وقد روى أصل الحديث مسلم في "صحيحه"، من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري، أن عبد الله بن عمرو قال: هجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوما، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب" 3.
وجميع أهل البدع مختلفون في تأويله، مؤمنون ببعضه دون بعض، يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات، وما يخالفه: إما أن يتأوله تأويلا يحرفون فيه الكلم عن مواضعه، وإما أن يقولوا: هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدوا ما أنزله من معانيه! وهو في معنى الكفر بذلك؛ لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} [الجمعة: 5]. وقال تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} [البقرة: 78]، أي: إلا تلاوة من غير فهم معناه. وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به، واشتبه عليه بعضه فوكل علمه إل PageV01P517
الله، كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" 1، فامتثل ما أمر به صلى الله عليه وسلم.
قوله: "ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}. وقال تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3]. وهو بين [الغلو و] التقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس".
ش: ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد" , وقوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] , عام في كل زمان، ولكن الشرائع تتنوع، كما قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] , فدين الإسلام هو ما شرعه الله سبحانه وتعالى لعباده على ألسنة رسله، وأصل هذا الدين وفروعه روايته عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجم، وذكي وبليد, أن يدخل فيه بأقصر زمان، وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو كذب على الله، أو ارتياب في قول الله تعالى، أو رد لما أنزل، أو شك فيما نفى الله عنه الشك، أو غير ذلك مما في معناه, فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه الوافد ثم يولي في وقته, واختلاف تعليم النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن كان بعيد الوطن، كضمام بن ثعلبة النجدي، ووفد عبد القيس، علمهم ما لم يسعهم جهله، مع علمه أن دينه سينشر في الآفاق، ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما يحتاجون إليه، ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت، بحيث يتعلم على التدريج، أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه, أجابه بحسب حاله وحاجته، على ما تدل قرينة حال السائل، كقوله: "قل آمنت بالله ثم استقم". وأما من شرع دينا لم يأذن به PageV01P518