(قال الفقيه) الزاهد العالم نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم: إني لما رأيت الواجب على من رزقه الله تعالى المعرفة في الأدب والحظ في العلم والنظر بما نطق به كتاب الله {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم} الآية، وبما وردت به السنة وهو ما روى عن عبد الله
بن مسعود رضي الله عنه أنه قال:
(1) "كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يتخولنا بالموعظة أحيانا مخافة السآمة علينا" جمعت في
كتابي هذا شيئا من الموعظة والحكمة شافيا للناظر فيه ووصيتي له أن ينظر فيه بالتذكر والتفكر لنفسه أولا ثم بالاحتساب بالتذكير لغيره ثانيا فإن الله تعالى أمرنا بذلك كله والسنة وردت فيه قال الله تعالى: {كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب} قال بعض المفسرين: معناه كونوا عاملين بما كنتم تعلمون الناس من الكتاب، وقال في آية أخرى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {يا أيها المدثر، قم فأنذر} وقال الله تعالى في آية أخرى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} .
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تفكر ساعة خير من عبادة سنة" ومن أعرض عن النظر في الحكم والمواعظ وسير السلف لا يعدو إحدى خصليتن إما أن يقتصر على قليل من العمل يتوهم أنه من جملة السابقين إلى الخيرات أو يجتهد بعض الجهد فيعظم ذلك في عينه ويفضل بذلك نفسه على غيره فيبطل بذلك سعيه ويحبط عمله، فإذا نظر فيها ازداد حرصا على الطاعات وغرف قصوره عن بلوغهم في الدرجات فنسأل الله التوفيق لأزكى الأعمال وأعظم البركات إنه منان قدير.
باب: الإخلاص
(2) حدثنا محمد بن الفضل بن أخنف، قال: حدثنا محمد بن جعفر الكرابيسي، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو مولى المطلب، عن عاصم، عن محمد بن لبيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم , قال: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» .
قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: " الرياء، يقول الله تعالى لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون لهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم خيرا ".
إنما يقال لهم ذلك لأن عملهم في الدنيا كان على وجه الخداع، فيعاملون في الآخرة على وجه الخداع، وهو كما قال الله تعالى: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142] ، يعني يجازيهم جزاء الخداع فيبطل ثواب أعمالهم، ويقول لهم: اذهبوا إلى الذين عملتم لأجلهم فإنه لا ثواب لأعمالكم عندي لأنها لم تكن خالصة لوجه الله تعالى.
وإنما يستوجب العبد الثواب إذا كان عمله خالصا لوجه الله تعالى فإذا كان لغيره فيه شركة فالله بريء منه
(3) قال: حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن
يوسف، حدثنا إسماعيل، عن عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، أنا غني عن العمل الذي فيه شركة لغيري؛ فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء ".
يعني من ذلك العمل ويقال يعني من ذلك العامل، ففي هذا الخبر دليل على أن الله تعالى لا يقبل من العمل شيئا إلا ما كان خالصا لوجهه، فإذا لم يكن خالصا فلا يقبل منه، ولا ثواب له في الآخرة، ومصيره إلى جهنم؛ والدليل على ذلك قوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها} [الإسراء: 18] يعني من أراد بعمله الدنيا ولا يريد ثواب الآخرة أعطيناه في الدنيا مقدار ما شئنا من عرض الدنيا لمن نريد، يعني لمن نريد أن نهلكه، ويقال لمن نريد أن نعطيه بإرادتنا أي متاع، لا بإرادته ثم جعلنا له جهنم يعني أوجبنا له في الآخرة جهنم يصلاها يعني يدخلها مذموما، يستوجب المذمة يعني بذم نفسه ويذمه غيره، مدحورا يعني مطرودا مبعدا من رحمة الله تعالى، ومن أراد الآخرة، يعني من أراد ثواب الآخرة وسعى لها سعيها يعني عمل للآخرة عملا من الأعمال الصالحة، خالصا لوجهه وهو مؤمن، يعني مع العمل يكون مؤمنا لأنه لا يقبل العمل بغير إيمان، فأولئك، يعني الذين يعملون ويطلبون ثواب الآخرة ولا يعملون لرياء الدنيا، كان سعيهم مشكورا يعني عملهم مقبولا.