وأما اختلافهم في الفتح على الإمام إذا أرتج عليه، فإن مالكا، والشافعي، وأكثر العلماء أجازوا الفتح عليه، ومنع ذلك الكوفيون.
وسبب الخلاف في ذلك اختلاف الآثار، وذلك " أنه روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تردد في آية، فلما انصرف قال: أين أبي ألم يكن في القوم؟» أي يريد الفتح عليه. وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لا يفتح على الإمام» والخلاف في ذلك في الصدر الأول، والمنع مشهور عن علي، والجواز عن ابن عمر مشهور.
; وأما موضع الإمام فإن قوما أجازوا أن يكون أرفع من موضع المأمومين، وقوم منعوا ذلك، وقوم استحبوا من ذلك اليسير، وهو مذهب مالك.
وسبب الخلاف في ذلك حديثان متعارضان: أحدهما: الحديث الثابت " أنه - عليه الصلاة والسلام - أم الناس على المنبر ليعلمهم الصلاة، وأنه كان إذا أراد أن يسجد نزل من على المنبر " والثاني: ما رواه أبو داود أن حذيفة أم الناس على دكان، فأخذ ابن مسعود بقميصه، فجذبه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك، أو ينهى عن ذلك؟
; وقد اختلفوا هل يجب على الإمام أن ينوي الإمامة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه ليس ذلك بواجب عليه لحديث ابن عباس أنه قام إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد دخوله في الصلاة، ورأى قوم أن هذا محتمل، وأنه لا بد من ذلك إذا كان يحمل بعض أفعال الصلاة عن المأمومين، وهذا على مذهب من يرى أن الإمام يحمل فرضا أو نفلا عن المأمومين.
[الفصل الثالث في مقام المأموم من الإمام والأحكام الخاصة بالمأمومين]
الفصل الثالث
في مقام المأموم من الإمام، والأحكام الخاصة بالمأمومين ; المسألة الأولى اتفق جمهور العلماء على أن سنة الواحد المنفرد أن يقوم عن يمين الإمام لثبوت ذلك من حديث ابن عباس وغيره، وأنهم إن كانوا ثلاثة سوى الإمام قاموا وراءه، واختلفوا إذا كانا اثنين سوى الإمام، فذهب مالك والشافعي إلى أنهما يقومان خلف الإمام. وقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون: بل يقوم الإمام بينهما.
والسبب في اختلافهم: أن في ذلك حديثين متعارضين: أحدهما: حديث جابر بن عبد الله قال: «قمت عن يسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جابر بن صخر، فتوضأ، ثم جاء، فقام عن يسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بأيدينا جميعا، فدفعنا حتى قمنا خلفه» ، والحديث الثاني: حديث ابن مسعود أنه صلى بعلقمة، والأسود فقام وسطهما، وأسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أبو عمر: واختلف رواة الحديث، فبعضهم أوقفه وبعضهم أسنده، والصحيح أنه موقوف، وأما أن سنة المرأة أن تقف خلف الرجل أو الرجال إن كان هنالك رجل سوى الإمام، أو خلف الإمام إن كانت وحدها، فلا أعلم في ذلك خلافا لثبوت ذلك من حديث أنس الذي خرجه البخاري «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى به وبأمه أو خالته، قال: فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا» والذي خرجه عنه أيضا مالك أنه قال «فصففت أنا واليتيم وراءه - عليه الصلاة والسلام - والعجوز من ورائنا» وسنة الواحد عند الجمهور أن يقف عن يمين الإمام لحديث ابن عباس حين بات عند ميمونة.
وقال قوم: بل عن يساره، ولا خلاف في أن المرأة الواحدة تصلي خلف الإمام، وأنها إن كانت مع الرجل صلى الرجل إلى جانب الإمام، والمرأة خلفه.