واختلف أصحاب مالك في قبولهن في حقوق الأبدان المتعلقة بالمال، مثل الوكالات والوصية التي لا تتعلق إلا بالمال فقط، فقال مالك وابن القاسم وابن وهب: يقبل فيه شاهد وامرأتان. وقال أشهب، وابن الماجشون: لا يقبل فيه إلا رجلان.
وأما شهادة النساء مفردات، أعني النساء دون الرجال - فهي مقبولة عند الجمهور في حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبا مثل الولادة والاستهلال وعيوب النساء. ولا خلاف في شيء من هذا إلا في الرضاع فإن أبا حنيفة قال: لا تقبل فيه شهادتهن إلا مع الرجال؛ لأنه عنده من حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال والنساء.
والذين قالوا بجواز شهادتهن مفردات في هذا الجنس اختلفوا في العدد المشترط في ذلك منهن، فقال مالك: يكفي في ذلك امرأتان، قيل: مع انتشار الأمر، وقيل: إن لم ينتشر. وقال الشافعي: ليس يكفي في ذلك أقل من أربع؛ لأن الله عز وجل قد جعل عديل الشاهد الواحد امرأتين، واشترط الاثنينية، وقال قوم: لا يكفي بذلك بأقل من ثلاث، وهو قول لا معنى له. وأجاز أبو حنيفة شهادة المرأة فيما بين السرة والركبة. وأحسب أن الظاهرية أو بعضهم لا يجيزون شهادة النساء مفردات في كل شيء كما يجيزون شهادتهن مع الرجال في كل شيء، وهو الظاهر.
وأما شهادة المرأة الواحدة بالرضاع فإنهم أيضا اختلفوا فيها؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: في المرأة الواحدة التي شهدت بالرضاع «كيف وقد أرضعتكما؟» ، وهذا ظاهره الإنكار، ولذلك لم يختلف قول مالك في أنه مكروه.
[الفصل الثاني في الأيمان]
وأما الأيمان فإنهم اتفقوا على أنها تبطل بها الدعوى عن المدعى عليه إذا لم تكن للمدعي بينة. واختلفوا هل يثبت بها حق المدعي، فقال مالك: يثبت بها حق المدعي في إثبات ما أنكره المدعى عليه وإبطال ما ثبت عليه من الحقوق إذا ادعى الذي ثبت عليه إسقاطه في الموضع الذي يكون المدعي أقوى سببا وشبهة من المدعى عليه، وقال غيره: لا تثبت للمدعي باليمين دعوى سواء أكانت في إسقاط حق عن نفسه قد ثبت عليه، أو إثبات حق أنكره فيه خصمه.
وسبب اختلافهم ترددهم في مفهوم قوله - عليه الصلاة والسلام -: «البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر» ، هل ذلك عام في كل مدعى عليه ومدع؟ أم إنما خص المدعي بالبينة والمدعى عليه باليمين؛ لأن المدعي في الأكثر هو أضعف شبهة من المدعى عليه والمدعي بخلافه؟
فمن قال: هذا الحكم عام في كل مدع ومدعى عليه، ولم يرد بهذا العموم خصوصا - قال: لا يثبت باليمين حق، ولا يسقط به حق ثبت. ومن قال: إنما خص المدعى عليه بهذا الحكم من جهة ما هو أقوى شبهة - قال: إذا اتفق أن يكون موضع تكون فيه شبهة المدعي أقوى يكون القول قوله.
واحتج هؤلاء بالمواضع التي اتفق الجمهور فيها على أن القول فيها قول المدعي مع يمينه، مثل دعوى التلف في الوديعة وغير ذلك إن وجد شيء بهذه الصفة، ولأولئك أن يقولوا: الأصل ما ذكرنا إلا ما خصصه الاتفاق.
وكلهم مجمعون على أن اليمين التي تسقط الدعوى أو تثبتها هي اليمين بالله، الذي لا إله إلا هو. وأقاويل فقهاء الأمصار في صفتها متقاربة، وهي عند مالك: الذي لا إله إلا هو، لا يزيد عليها. ويزيد الشافعي: الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية.
وأما هل تغلظ بالمكان؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فذهب مالك إلى أنها تغلظ بالمكان وذلك في قدر مخصوص، وكذلك الشافعي. واختلفوا في القدر، فقال مالك: إن من ادعي عليه بثلاثة دراهم فصاعدا وجبت عليه اليمين في المسجد الجامع، فإن كان مسجد النبي - عليه الصلاة والسلام - فلا خلاف أنه يحلف على المنبر، وإن كان في غيره من المساجد ففي ذلك روايتان، إحداهما: حيث اتفق من المسجد، والأخرى عند المنبر.