واختلف أصحاب مالك فيمن حرق آخر، هل يحرق مع موافقتهم لمالك في احتذاء صورة القتل؟ وكذلك فيمن قتل بالسهم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: بأي وجه قتله لم يقتل إلا بالسيف.
وعمدتهم ما روى الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا قود إلا بحديدة» . وعمدة الفريق الأول حديث أنس «أن يهوديا رضخ رأس امرأة بحجر، فرضخ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه بحجر، أو قال: بين حجرين» ، وقوله تعالى {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] والقصاص يقتضي المماثلة.
وأما ممن يكون القصاص فالظاهر أنه من ولي الدم، وقد قيل: إنه لا يمكن منه لمكان العداوة مخافة أن يجور فيه.
وأما متى يكون القصاص فبعد ثبوت موجباته، والإعذار إلى القاتل في ذلك إن لم يكن مقرا.
واختلفوا هل من شرط القصاص أن لا يكون الموضع الحرم.
وأجمعوا على أن الحامل إذا قتلت عمدا أنه لا يقاد منها حتى تضع حملها.
واختلفوا في القاتل بالسم، والجمهور على وجوب القصاص، وقال بعض أهل الظاهر: لا يقتص منه من أجل أنه - عليه الصلاة والسلام - سم هو وأصحابه، فلم يتعرض لمن سمه.
كمل كتاب القصاص في النفس.
[كتاب الجراح]
والجراح صنفان: منها ما فيه القصاص أو الدية أو العفو. ومنها ما فيه الدية أو العفو. ولنبدأ بما فيه القصاص، والنظر أيضا هاهنا في شروط الجارح والجرح الذي به يحق القصاص والمجروح، وفي الحكم الواجب الذي هو القصاص، وفي بدله إن كان له بدل.
القول في الجارح ويشترط في الجارح أن يكون مكلفا كما يشترط ذلك في القاتل، وهو أن يكون بالغا عاقلا، والبلوغ يكون بالاحتلام والسن بلا خلاف، وإن كان الخلاف في مقداره، فأقصاه ثماني عشرة سنة، وأقله خمس عشرة سنة، وبه قال الشافعي.
ولا خلاف أن الواحد إذا قطع عضو إنسان واحد اقتص منه إذا كان مما فيه القصاص. واختلفوا إذا قطعت جماعة عضوا واحدا، فقال أهل الظاهر: لا تقطع يدان في يد، وقال مالك والشافعي: تقطع الأيدي باليد الواحدة، كما تقتل عندهم الأنفس بالنفس الواحدة، وفرقت الحنفية بين النفس والأطراف، فقالوا: لا تقطع أعضاء بعضو، وتقتل أنفس بنفس، وعندهم أن الأطراف تتبعض، وإزهاق النفس لا يتبعض.
واختلف في الإنبات، فقال الشافعي: هو بلوغ بإطلاق.
واختلف المذهب فيه في الحدود، هل هو بلوغ فيها أم لا؟ والأصل في هذا كله حديث بني قريظة «أنه - صلى الله عليه وسلم - قتل منهم من أنبت وجرى عليه المواسي» ، كما أن الأصل في السن «حديث ابن عمر أنه عرضه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يقبله وقبله يوم أحد وهو ابن خمس عشرة سنة» .
القول في المجروح وأما المجروح فإنه يشترط فيه أن يكون دمه مكافئا لدم الجارح والذي يؤثر في التكافؤ العبودية والكفر. أما العبد والحر فإنهم اختلفوا في وقوع القصاص بينهما في الجرح كاختلافهم في النفس، فمنهم من رأى أنه لا يقتص من الحر للعبد، ويقتص للحر من العبد كالحال في النفس، ومنهم من رأى أنه يقتص لكل واحد منهما من كل واحد، ولم يفرق بين الجرح والنفس، ومنهم من فرق، فقال: يقتص من الأعلى للأدنى في النفس والجرح، ومنهم من قال: يقتص من النفس دون الجرح، وعن مالك الروايتان.
والصواب كما يقتص من النفس أن يقتص من الجرح، فهذه هي حال العبيد مع الأحرار.