على ترتيب العصبات، وذهب سائر من ورثهم إلى التنزيل (وهو أن ينزل كل من أدلى منهم بذي سهم أو عصبة بمنزلة السبب الذي أدلى به) .
وعمدة مالك ومن قال بقوله أن الفرائض لما كانت لا مجال للقياس فيها كان الأصل أن لا يثبت فيها شيء إلا بكتاب أو سنة ثابتة أو إجماع، وجميع ذلك معدوم في هذه المسألة.
وأما الفرقة الثانية، فزعموا أن دليلهم على ذلك من الكتاب والسنة والقياس.
أما الكتاب فقوله تعالى: {وأولو الأرحام} [الأنفال: 75] ، و: {الوالدان والأقربون} [النساء: 7] واسم القرابة ينطلق على ذوي الأرحام، ويرى المخالف أن هذه مخصوصة بآيات المواريث.
وأما السنة فاحتجوا بما خرجه الترمذي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له» .
وأما من طريق المعنى فإن القدماء من أصحاب أبي حنيفة قالوا: إن ذوي الأرحام أولى من المسلمين ; لأنهم قد اجتمع لهم سببان: القرابة والإسلام، فأشبهوا تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب (أعني: أن من اجتمع له سببان أولى ممن له سبب واحد) . وأما أبو زيد ومتأخرو أصحابه فشبهوا الإرث بالولاية وقالوا: لما كانت ولاية التجهيز والصلاة والدفن للميت عند فقد أصحاب الفروض والعصبات لذوي الأرحام وجب أن يكون لهم ولاية الإرث، وللفريق الأول اعتراضات - في هذه المقاييس - فيها ضعف. وإذ قد تقرر هذا فلنشرع في ذكر جنس جنس من أجناس الوارثين، ونذكر من ذلك ما يجري مجرى الأصول من المسائل المشهورة المتفق عليها والمختلف فيها.
[ميراث الصلب]
وأجمع المسلمون على أن ميراث الأولاد من والدهم ووالدتهم إن كانوا ذكورا وإناثا معا هو أن للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، وأن الابن الواحد إذا انفرد فله جميع المال، وأن البنات إذا انفردن فكانت واحدة أن لها النصف، وإن كن ثلاثا فما فوق فلهن الثلثان. واختلفوا في الاثنتين فذهب الجمهور إلى أن لهما الثلثين، وروي عن ابن عباس أنه قال: للبنتين النصف.
والسبب في اختلافهم تردد المفهوم في قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} [النساء: 11] هل حكم الاثنتين المسكوت عنه يلحق بحكم الثلاثة أو بحكم الواحدة؟ والأظهر من باب دليل الخطاب أنهما لاحقان بحكم الثلاثة أو بحكم الواحدة، وقد قيل إن المشهور عن ابن عباس مثل قول الجمهور وقد روي عن عبد الله بن محمد بن عقيل
عن حاتم بن عبد الله وعن جابر: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى البنتين الثلثين» . قال فيما أحسب أبو عمر بن عبد البر، وعبد الله بن عقيل: قد قبل جماعة من أهل العلم حديثه وخالفهم آخرون.
وسبب الاتفاق في هذه الجملة قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] إلى قوله {وإن كانت واحدة فلها النصف} [النساء: 11] .
وأجمعوا من هذا الباب على أن بني البنين يقومون مقام البنين عند فقد البنين يرثون كما يرثون ويحجبون كما يحجبون، إلا شيء روي عن مجاهد أنه قال: ولد الابن لا يحجبون الزوج من النصف إلى الربع، كما يحجب الولد نفسه ولا الزوجة من الربع إلى الثمن، ولا الأم من الثلث إلى السدس.
وأجمعوا على أنه ليس لبنات الابن ميراث مع بنات الصلب إذا استكمل بنات المتوفى الثلثين. واختلفوا إذا كان مع بنات الابن ذكر ابن ابن في مرتبتهن أو أبعد منهن، فقال جمهور فقهاء الأمصار: إنه يعصب بنات الابن فيما فضل عن بنات الصلب فيقسمون المال للذكر مثل حظ الأنثيين، وبه قال علي - رضي الله عنه - وزيد بن ثابت من الصحابة. وذهب أبو ثور وداود أنه إذا استكمل البنات الثلثين أن الباقي لابن الابن دون بنات الابن كن في مرتبة واحدة مع الذكر أو فوقه أو دونه. وكان ابن مسعود يقول في هذه {للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] إلا أن يكون الحاصل للنساء أكثر من السدس فلا تعطى إلا السدس.