والذي يحكم له بحكم الرشد، وإن علم سفهه: فمنها: السفيه إذا لم تثبت عليه ولاية من قبل أبيه، ولا من قبل السلطان على مشهور مذهب مالك، خلافا لابن القاسم الذي يعتبر نفس الرشد لا نفس الولاية، والبكر اليتيمة المهملة على مذهب سحنون.
وأما الذي يحكم عليه بالسفه بحكم ما لم يظهر رشده: فالابن بعد بلوغه في حياة أبيه على المشهور في المذهب، وحال البكر ذات الأب التي لا وصي لها إذا تزوجت ودخل بها زوجها ما لم يظهر رشدها، وما لم تبلغ الحد المعتبر في ذلك من السنين عند من يعتبر ذلك، وكذلك اليتيمة التي لا وصي لها على مذهب من يرى أن أفعالها مردودة.
وأما الحال التي يحكم فيها بحكم الرشد حتى يتبين السفه: فمنها حال البكر المعنس عند من يعتبر التعنيس، أو التي دخل بها زوجها ومضى لدخوله الحد المعتبر من السنين عند من يعتبر الحد، وكذلك حال الابن ذي الأب إذا بلغ وجهلت حاله على إحدى الروايتين. والابنة البكر بعد بلوغها على الرواية التي لا تعتبر فيها دخولها مع زوجها. فهذه هي جمل ما في هذا الكتاب، والفروع كثيرة.
[كتاب التفليس]
. والنظر في هذا الكتاب فيما هو الفلس، وفي أحكام المفلس، فنقول:
إن الإفلاس في الشرع يطلق على معنيين:
أحدهما: أن يستغرق الدين مال المدين، فلا يكون في ماله وفاء بديونه.
والثاني: أن لا يكون له مال معلوم أصلا. وفي كلا الفلسين قد اختلف العلماء في أحكامهما.
فأما الحالة الأولى (وهي إذا ظهر عند الحاكم من فلسه ما ذكرنا) : فاختلف العلماء في ذلك هل للحاكم أن يحجر عليه التصرف في ماله حتى يبيعه عليه ويقسمه على الغرماء على نسبة ديونهم، أم ليس له ذلك؟ بل يحبس حتى يدفع إليهم جميع ماله على أي نسبة اتفقت، أو لمن اتفق منهم.
وهذا الخلاف بعينه يتصور فيمن كان له مال يفي بدينه، فأبى أن ينصف غرماءه، هل يبيع عليه الحاكم فيقسمه عليهم، أم يحبسه حتى يعطيهم بيده ما عليه؟ فالجمهور يقولون: يبيع الحاكم ماله عليه، فينصف منه غرماءه، أو غريمه إن كان مليا، أو يحكم عليه بالإفلاس إن لم يف ماله بديونه ويحجر عليه التصرف فيه، وبه قال مالك، والشافعي، وبالقول الآخر قال أبو حنيفة، وجماعة من أهل العراق.
وحجة مالك، والشافعي: «حديث معاذ بن جبل: " أنه كثر دينه في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يزد غرماءه على أن جعله لهم من ماله» .
وحديث أبي سعيد الخدري: «أن رجلا أصيب على عهد رسول الله في ثمر ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء بدينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» .
وحديث عمر في القضاء على الرجل المفلس في حبسه؛ وقوله فيه: " أما بعد، فإن الأسيفع (أسيفع جهينة) رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، وأنه ادان معرضا فأصبح قد رين عليه، فمن كان له عليه دين فليأتنا ".
وأيضا من طريق المعنى: فإنه إذا كان المريض محجورا عليه لمكان ورثته، فأحرى أن يكون المدين محجورا عليه لمكان الغرماء، وهذا القول هو الأظهر; لأنه أعدل والله أعلم.
وأما حجج الفريق الثاني الذين قالوا بالحبس حتى يعطي ما عليه أو يموت محبوسا، فيبيع القاضي حينئذ ماله، ويقسمه على الغرماء: فمنها: