وأما من فرق بين الأمة والحرة وكذلك الكتابية، فلأنه زعم أن عدة الوفاة أوجبت شيئين باتفاق: أحدهما الإحداد، والثاني ترك الخروج، فلما سقط ترك الخروج عن الأمة والحاجة إلى استخدامها سقط عنها منع الزينة. وأما اختلافهم في المكاتبة فمن قبل ترددها بين الحرة والأمة. وأما الأمة بملك اليمين وأم الولد، فإنما صار الجمهور إلى إسقاط الإحداد عنها لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد إلا على زوج» فعلم بدليل الخطاب أن من عدا ذات الزوج لا يجب عليها إحداد.
ومن أوجبه على المتوفى عنها زوجها دون المطلقة تعلق بالظاهر المنطوق به، ومن ألحق المطلقات بهن فمن طريق المعنى، وذلك أنه يظهر من معنى الإحداد أن
المقصود به أن لا تتشوف إليها الرجال في العدة ولا تتشوف هي إليهم، وذلك سدا للذريعة لمكان حفظ الأنساب، والله أعلم.
كمل كتاب الطلاق، والحمد لله على آلائه، والشكر على نعمه ; ويتلوه كتاب البيوع إن شاء الله تعالى.
[كتاب البيوع]
[الجزء الأول أنواع البيوع المطلقة]
الكلام في البيوع ينحصر في خمس جمل: في معرفة أنواعها. وفي معرفة شروط الصحة في واحد واحد منها. وفي معرفة شروط الفساد. وفي معرفة أحكام البيوع الصحيحة. وفي معرفة أحكام البيوع الفاسدة.
فنحن نذكر أنواع البيوع المطلقة، ثم نذكر شروط الفساد والصحة في واحد واحد منها، وأحكام بيوع الصحة، وأحكام البيوع الفاسدة.
ولما كانت أسباب الفساد والصحة في البيوع منها عامة لجميع أنواع البيوع أو لأكثرها ومنها خاصة، وكذلك الأمر في أحكام الصحة والفساد اقتضى النظر الصناعي أن نذكر المشترك في هذه الأصناف الأربعة (أعني: العام من أسباب الفساد وأسباب الصحة وأحكام الصحة وأحكام الفساد لجميع البيوع) ، ثم نذكر الخاص من هذه الأربعة بواحد واحد من البيوع، فينقسم هذا الكتاب باضطراد إلى ستة أجزاء: الجزء الأول: تعرف فيه أنواع البيوع المطلقة. والثاني: تعرف فيه أسباب الفساد العامة في البيوع المطلقة أيضا (أعني: في كلها أو أكثرها) إذ كانت أعرف من أسباب الصحة. الثالث: تعرف فيه أسباب الصحة في البيوع المطلقة أيضا. الرابع: نذكر فيه أحكام البيوع الصحيحة، (أعني: الأحكام المشتركة لكل البيوع الصحيحة أو لأكثرها) . الخامس: نذكر فيه أحكام البيوع الفاسدة المشتركة (أعني: إذا وقعت) . السادس: نذكر فيه نوعا نوعا من البيوع بما يخصه من الصحة والفساد وأحكامها.
; الجزء الأول إن كل معاملة وجدت بين اثنين، فلا يخلو أن تكون عينا بعين، أو عينا بشيء في الذمة، أو ذمة بذمة، وكل واحد من هذه الثلاث إما نسيئة وإما ناجز، وكل واحد من هذه أيضا إما ناجز من الطرفين، وإما ناجز من الطرف الواحد نسيئة من الطرف الآخر، فتكون كل أنواع البيوع تسعة.
فأما النسيئة من الطرفين فلا يجوز بإجماع لا في العين ولا في الذمة، لأنه الدين بالدين المنهي عنه.
وأسماء هذه البيوع منها ما يكون من قبل صفة العقد وحال العقد; ومنها ما يكون من قبل صفة العين المبيعة، وذلك أنها إذا كانت عينا بعين فلا تخلو أن تكون ثمنا بمثمون، أو ثمنا بعين، فإن كانت ثمنا بثمن سمي صرفا، وإن كانت ثمنا بمثمون سمي بيعا مطلقا وكذلك مثمونا بمثمون على الشروط التي تقال بعد، وإن كان عينا بذمة سمي سلما، وإن كان على الخيار سمي بيع خيار، وإن كان على المرابحة سمي بيع مرابحة، وإن كان على المزايدة سمي بيع مزايدة.