ومن هذا الباب اختلافهم في تبعيض المطلقة، أو تبعيض الطلاق، وإرداف الطلاق على الطلاق. فأما مسألة تبعيض المطلقة: فإن مالكا قال: إذا قال يدك أو رجلك أو شعرك طالق طلقت عليه. وقال أبو حنيفة: لا تطلق إلا بذكر عضو يعبر به عن جملة البدن كالرأس والقلب والفرج، وكذلك تطلق عنده إذا طلق الجزء منها، مثل الثلث أو الربع. وقال داود: لا تطلق.
كذلك إذا قال عند مالك: طلقتك نصف تطليقة، طلقت، لأن هذا كله عنده لا يتبعض. وعند المخالف إذا تبعض لم يقع. وأما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، نسقا، فإنه يكون ثلاثا عند مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي: يقع واحدة، فمن شبه تكرار اللفظ بلفظه بالعدد - أعني: بقوله طلقتك ثلاثا - قال: يقع الطلاق ثلاثا. ومن رأى أنه باللفظة الواحدة قد بانت منه قال: لا يقع عليها الثاني والثالث. ولا خلاف بين المسلمين في ارتدافه في الطلاق الرجعي.
وأما الطلاق المقيد بالاستثناء: فإنما يتصور في العدد فقط، فإذا طلق أعدادا من الطلاق، فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يستثني ذلك العدد بعينه، مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، واثنتين إلا اثنتين. وإما أن يستثني ما هو أقل، فإما أن يستثني ما هو أقل مما هو أكثر، وإما أن يستثني ما هو أكثر مما هو أقل، فإذا استثنى الأقل من الأكثر ; فلا خلاف أعلمه أن الاستثناء يصح ويسقط المستثنى، مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، وأما إن استثنى الأكثر من الأقل فيتوجه فيه قولان:
أحدهما: أن الاستثناء لا يصح، وهو مبني على منع أن يستثنى الأكثر من الأقل.
والآخر: أن الاستثناء يصح، وهو قول مالك. وأما إذا استثنى ذلك العدد بعينه مثل أن يقول: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، فإن مالكا قال: يقع الطلاق، لأنه اتهمه على أنه رجوع منه. وأما إذا لم يقل بالتهمة وكان قصده بذلك استحالة وقوع الطلاق فلا طلاق عليه، كما لو قال: أنت طالق لا طالق معا، فإن وقوع الشيء مع ضده مستحيل.
وشذ أبو محمد بن حزم، فقال: لا يقع الطلاق بصفة لم تقع بعد، ولا بفعل لم يقع، لأن الطلاق لا يقع في وقت وقوعه إلا بإيقاع من يطلق في ذلك الوقت ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على وقوع طلاق في وقت لم يوقعه فيه المطلق، وإنما ألزم نفسه إيقاعه فيه، فإن قلنا باللزوم لزم أن يوقف عند ذلك الوقت حتى يوقع، هذا قياس قوله عندي وحجته، وإن كنت لست أذكر في هذا الوقت احتجاجه في ذلك.