ومن قبل هذا أيضا اختلف المذهب في وقوع الميراث في الأنكحة الفاسدة إذا وقع الموت قبل الفسخ، وكذلك وقوع الطلاق فيه، فمرة اعتبر فيه الاختلاف والاتفاق، ومرة اعتبر فيه الفسخ بعد الدخول أو عدمه، وقد نرى أن نقطع ها هنا القول في هذا الكتاب، فإن ما ذكرنا منه كفاية بحسب غرضنا المقصود.
[كتاب الطلاق]
[الجملة الأولى في أنواع الطلاق]
[الباب الأول في معرفة الطلاق البائن والرجعي]
كتاب الطلاق والكلام في هذا الباب ينحصر في أربع جمل:
; الجملة الأولى: في أنواع الطلاق.
الجملة الثانية: في أركان الطلاق.
الجملة الثالثة: في الرجعة.
الجملة الرابعة: في أحكام المطلقات.
الجملة الأولى
وفي هذه الجملة خمسة أبواب:
الباب الأول: في معرفة الطلاق البائن والرجعي.
الباب الثاني: في معرفة الطلاق السني من البدعي.
والباب الثالث: في الخلع.
الباب الرابع: في تمييز الطلاق من الفسخ.
الباب الخامس: في التخيير والتمليك.
الباب الأول: في معرفة الطلاق البائن والرجعي - واتفقوا على أن الطلاق نوعان: بائن، ورجعي. وأن الرجعي هو الذي يملك فيه الزوج رجعتها من غير اختيارها، وأن من شرطه أن يكون في مدخول بها، وإنما اتفقوا على هذا لقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة} [الطلاق: 1] إلى قوله تعالى: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] . وللحديث الثابت أيضا من حديث «ابن عمر: " أنه - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يراجع زوجته لما طلقها حائضا» . ولا خلاف في هذا. وأما الطلاق البائن: فإنهم اتفقوا على أن البينونة إنما توجد للطلاق من قبل عدم الدخول، ومن قبل عدد التطليقات، ومن قبل العوض في الخلع، على اختلاف بينهم: هل الخلع طلاق أو فسخ على ما سيأتي بعد.
واتفقوا على أن العدد الذي يوجب البينونة في طلاق الحر ثلاث تطليقات إذا وقعت مفترقات لقوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] الآية. واختلفوا إذا وقعت ثلاثا في اللفظ دون
الفعل، وكذلك اتفق الجمهور على أن الرق مؤثر في إسقاط أعداد الطلاق، وأن الذي يوجب البينونة في الرق اثنتان. واختلفوا هل هذا معتبر برق الزوج، أو برق الزوجة، أم برق من رق منهما. ففي هذا الباب إذن ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: جمهور فقهاء الأمصار على أن الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة. وقال أهل الظاهر وجماعة: حكمه حكم الواحدة، ولا تأثير للفظ في ذلك. وحجة هؤلاء: ظاهر قوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] إلى قوله في الثالثة: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] والمطلق بلفظ الثلاث مطلق واحدة لا مطلق ثلاث. واحتجوا أيضا بما خرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فأمضاه عليهم عمر» . واحتجوا أيضا بما رواه ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: «طلق ركانة زوجه ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كيف طلقتها؟ " قال: طلقتها ثلاثا في مجلس واحد، قال: إنما تلك طلقة واحدة فارتجعها» . وقد احتج من انتصر لقول الجمهور بأن حديث ابن عباس الواقع في الصحيحين إنما رواه عنه من أصحابه طاوس، وأن جلة أصحابه رووا عنه لزوم الثلاث، منهم سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار وجماعة غيرهم، وأن حديث ابن إسحاق وهم، وإنما روى الثقات أنه طلق ركانة زوجه البتة لا ثلاثا.