[الفصل الثاني عشر في مانع الزوجية]
- وأما مانع الزوجية: فإنهم اتفقوا على أن الزوجية بين المسلمين مانعة وبين الذميين. واختلفوا في المسبية على ما تقدم، واختلفوا أيضا في الأمة إذا بيعت هل يكون بيعها طلاقا؟ فالجمهور على أنه ليس بطلاق. وقال قوم: هو طلاق، وهو مروي عن ابن عباس وجابر، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وسبب اختلافهم: معارضة مفهوم حديث بريرة لعموم قوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] وذلك أن قوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] يقتضي المسبيات وغيرهن، وتخيير بريرة يوجب أن لا يكون بيعها طلاقا، لأنه لو كان بيعها طلاقا لما خيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد العتق، ولكان نفس شراء عائشة لها طلاقا من زوجها.
والحجة للجمهور: ما خرجه ابن أبي شيبة، عن أبي سعيد الخدري: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث يوم حنين سرية، فأصابوا حيا من العرب يوم أوطاس، فهزموهم وقتلوهم وأصابوا نساء لهن أزواج، وكان ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأثموا من غشيانهن من أجل أزواجهن، فأنزل الله عز وجل: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] » . وهذه المسألة هي أليق بكتاب الطلاق. فهذه هي جملة الأشياء المصححة للأنكحة في الإسلام، وهي كما قلنا راجعة إلى ثلاثة أجناس: صفة العاقد والمعقود عليها، وصفة العقد، وصفة الشروط في العقد.
وأما الأنكحة التي انعقدت قبل الإسلام، ثم طرأ عليها الإسلام، فإنهم اتفقوا على أن الإسلام إذا كان منهما معا - أعني: من الزوج والزوجة -، وقد كان عقد النكاح على من يصح ابتداء العقد عليها في الإسلام أن الإسلام يصحح ذلك، واختلفوا في موضعين:
أحدهما: إذا انعقد النكاح على أكثر من أربع، أو على من لا يجوز الجمع بينهما في الإسلام.
والموضع الثاني: إذا أسلم أحدهما قبل الآخر.
فأما المسألة الأولى: وهي إذا أسلم الكافر وعنده أكثر من أربع نسوة أو أسلم وعنده أختان، فإن مالكا قال: يختار منهن أربعا، ومن الأختين واحدة أيتهما شاء، وبه قال الشافعي
وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة والثوري، وابن أبي ليلى: يختار الأوائل منهن في العقد، فإن تزوجهن في عقد واحد فرق بينه وبينهن. وقال ابن الماجشون من أصحاب مالك: إذا أسلم وعنده أختان فارقهما جميعا، ثم استأنف نكاح أيتهما شاء، ولم يقل بذلك أحد من أصحاب مالك غيره. وسبب اختلافهم: معارضة القياس للأثر، وذلك أنه ورد في ذلك أثران:
أحدهما: مرسل مالك: «أن غيلان بن سلامة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة أسلمن معه، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يختار منهن أربعا» .
الحديث الثاني: حديث قيس بن الحارث: «أنه أسلم على الأختين، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اختر أيتهما شئت» .
وأما القياس المخالف لهذا الأثر: فتشبيه العقد على الأواخر قبل الإسلام بالعقد عليهن بعد الإسلام - أعني: أنه كما أن العقد عليهن فاسد في الإسلام كذلك قبل الإسلام -، وفيه ضعف. وأما إذا أسلم أحدهما قبل الآخر، وهي المسألة الثانية، ثم أسلم الآخر: فإنهم اختلفوا في ذلك.
فقال مالك وأبو حنيفة، والشافعي: إنه إذا أسلمت المرأة قبله فإنه إن أسلم في عدتها كان أحق بها، وإن أسلم هو وهي فنكاحها ثابت، لما ورد في ذلك من حديث صفوان بن أمية، وذلك: «أن زوجه عاتكة ابنة الوليد بن المغيرة أسلمت قبله، ثم أسلم هو، فأقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نكاحه ". قالوا: وكان بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحو من شهر» . قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل أن تنقضي عدتها.