المسألة الثامنة: وأما الشهادة على الرضاع فإن قوما قالوا: لا تقبل فيه إلا شهادة امرأتين. وقوما قالوا: لا تقبل فيه إلا شهادة أربع، وبه قال الشافعي وعطاء، وقوما قالوا: تقبل فيه شهادة امرأة واحدة.
والذين قالوا: تقبل فيه شهادة امرأتين - منهم من اشترط في ذلك فشو قولهما بذلك قبل الشهادة. وهو مذهب مالك، وابن القاسم. ومنهم من لم يشترطه، وهو قول مطرف وابن الماجشون.
والذين أجازوا أيضا شهادة امرأة واحدة منهم من لم يشترط فشو قولها قبل الشهادة، وهو مذهب أبي حنيفة. ومنهم من اشترط ذلك، وهي رواية عن مالك، وقد روى عنه أنه لا يجوز فيه شهادة أقل من اثنتين.
والسبب في اختلافهم أما بين الأربع والاثنتين فاختلافهم في شهادة النساء هل عديل كل رجل هو امرأتان فيما ليس يمكن فيه شهادة الرجل؟ أو يكفي في ذلك امرأتان؟ وستأتي هذه المسألة في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى.
وأما اختلافهم في قبول شهادة المرأة الواحدة فمخالفة الأثر الوارد في ذلك للأصل المجمع عليه، أعني أنه لا يقبل من الرجال أقل من اثنين، وأن حال النساء في ذلك إما أن يكون أضعف من حال الرجال، وإما أن تكون أحوالهن في ذلك مساوية للرجال. والإجماع منعقد على أنه لا يقضى بشهادة واحدة، والأمر الوارد في ذلك هو حديث «عقبة بن الحارث قال: " يا رسول الله، إني تزوجت امرأة، فأتت امرأة فقالت: قد أرضعتكما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف وقد قيل؟ دعها عنك» . وحمل بعضهم هذا الحديث على الندب جمعا بينه وبين الأصول وهو أشبه، وهي رواية عن مالك.
المسألة التاسعة: وأما صفة المرضعة فإنهم اتفقوا على أنه يحرم لبن كل امرأة بالغ وغير
بالغ، واليائسة من المحيض كان لها زوج أم لم يكن، حاملا كانت أو غير حامل. وشذ بعضهم فأوجب حرمة للبن الرجل، وهذا غير موجود فضلا عن أن يكون له حكم شرعي، وإن وجد فليس لبنا إلا باشتراك الاسم.
واختلفوا من هذا الباب في لبن الميتة، وسبب الخلاف هل يتناولها العموم؟ أو لا يتناولها؟ ولا لبن للميتة إن وجد لها إلا باشتراك الاسم، ويكاد أن تكون مسألة غير واقعة فلا يكون لها وجود إلا في القول.