ولاختلافهم في هاتين المسألتين سبب آخر، وهو استنباط القياس من موضع الإجماع، وذلك أنهم لما أجمعوا على أن الأب يجبر البكر غير البالغ، وأنه لا يجبر الثيب البالغ إلا خلافا شاذا فيهما جميعا كما قلنا - اختلفوا في موجب الإجبار هل هو البكارة؟ أو الصغر؟ فمن قال: الصغر - قال: لا تجبر البكر البالغ. ومن قال: البكارة - قال: تجبر البكر البالغ، ولا تجبر الثيب الصغيرة. ومن قال: كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد - قال: تجبر البكر البالغ والثيب الغير البالغ. والتعليل الأول تعليل أبي حنيفة، والثاني تعليل الشافعي، والثالث تعليل مالك. والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة.
واختلفوا في الثيوبة التي ترفع الإجبار وتوجب النطق بالرضا أو الرد، فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها الثيوبة التي تكون بنكاح صحيح أو شبهة نكاح أو ملك، وأنها لا تكون بزنى ولا بغصب. وقال الشافعي: كل ثيوبة ترفع الإجبار.
وسبب اختلافهم هل يتعلق الحكم بقوله - عليه الصلاة والسلام -: «الثيب أحق بنفسها من وليها» - بالثيوبة الشرعية؟ أم بالثيوبة اللغوية؟ واتفقوا على أن الأب يجبر ابنه الصغير على النكاح، وكذلك ابنته الصغيرة البكر ولا يستأمرها؛ لما ثبت «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج عائشة - رضي الله عنها - بنت ست أو سبع، وبنى بها بنت تسع بإنكاح أبي بكر أبيها - رضي الله عنه -» إلا ما روي من الخلاف عن ابن شبرمة.
واختلفوا من ذلك في مسألتين: إحداهما: هل يزوج الصغيرة غير الأب؟ والثانية: هل يزوج الصغير غير الأب؟
فأما هل يزوج الصغيرة غير الأب؟ أم لا؟ فقال الشافعي: يزوجها الجد أبو الأب والأب فقط. وقال مالك: لا يزوجها إلا الأب فقط، أو من جعل الأب له ذلك إذا عين الزوج إلا أن يخاف عليها الضيعة والفساد. وقال أبو حنيفة: يزوج الصغيرة كل من له عليها ولاية من أب وقريب وغير ذلك، ولها الخيار إذا بلغت.
وسبب
اختلافهم معارضة العموم للقياس، وذلك أن قوله - عليه الصلاة والسلام -: «والبكر تستأمر، وإذنها صماتها» - يقتضي العموم في كل بكر، إلا ذات الأب التي خصصها الإجماع، إلا الخلاف الذي ذكرناه. وكون سائر الأولياء معلوما منهم النظر والمصلحة لوليتهم يوجب أن يلحقوا بالأب في هذا المعنى، فمنهم من ألحق به جميع الأولياء، ومنهم من ألحق به الجد فقط؛ لأنه في معنى الأب؛ إذ كان أبا أعلى، وهو الشافعي.
ومن قصر ذلك على الأب رأى أن ما للأب في ذلك غير موجود لغيره ; إما من قبل أن الشرع خصه بذلك، وإما من قبل أن ما يوجد فيه من الرأفة والرحمة لا يوجد في غيره. وهو الذي ذهب إليه مالك - رضي الله عنه -، وما ذهب إليه أظهر - والله أعلم - إلا أن يكون هنالك ضرورة.
وقد احتج الحنفية بجواز إنكاح الصغار غير الآباء بقوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] قال: واليتيم لا ينطلق إلا على غير البالغة. والفريق الثاني قالوا أن اسم اليتيم قد ينطلق على بالغة بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام -: «تستأمر اليتيمة» ، والمستأمرة هي من أهل الإذن وهي البالغة، فيكون لاختلافهم سبب آخر، وهو اشتراك اسم اليتيم.
وقد احتج أيضا من لم يجز نكاح غير الأب لها بقوله - عليه الصلاة والسلام -: «تستأمر اليتيمة في نفسها» . قالوا: والصغيرة ليست من أهل الاستئمار باتفاق، فوجب المنع. ولأولئك أن يقولوا: إن هذا حكم اليتيمة التي هي من أهل الاستئمار، وأما الصغيرة فمسكوت عنها.