واختلفوا في صفة العقر إذا ضرب الصيد، فأبين منه عضو - فقال قوم: يؤكل الصيد إلا ما
بان منه. وقال قوم: يؤكلان جميعا. وفرق قوم بين أن يكون ذلك العضو مقتلا أو غير مقتل، فقالوا: إن كان مقتلا أكلا جميعا، وإن كان غير مقتل أكل الصيد ولم يؤكل العضو. وهو معنى قول مالك، وإلى هذا يرجع خلافهم في أن يكون القطع بنصفين، أو يكون أحدهما أكبر من الثاني.
وسبب اختلافهم معارضة قوله - عليه الصلاة والسلام -: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة» ؛ لعموم قوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] ، ولعموم قوله تعالى: {تناله أيديكم ورماحكم} [المائدة: 94] .
فمن غلب حكم الصيد وهو العقر مطلقا قال: يؤكل الصيد والعضو المقطوع من الصيد، وحمل الحديث على الإنسي. ومن حمله على الوحشي والإنسي معا، واستثنى من ذلك العموم بالحديث العضو المقطوع - فقال: كل الصيد دون العضو البائن. ومن اعتبر في ذلك الحياة المستقرة، أعني: في قوله: وهي حية - فرق بين أن يكون العضو مقتلا أو غير مقتل.
[الباب الرابع في شروط القانص]
وشروط القانص هي شروط الذابح نفسه، وقد تقدم ذلك في كتاب الذبائح المتفق عليها والمختلف فيها.
ويخص الاصطياد في البر شرط زائد، وهو أن لا يكون محرما، ولا خلاف في ذلك؛ لقوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] . فإن اصطاد محرم فهل يحل ذلك الصيد للحلال؟ أم هو ميتة لا يحل لأحد أصلا؟ اختلف فيه الفقهاء، فذهب مالك إلى أنه ميتة، وذهب الشافعي وأبو حنيفة، وأبو ثور إلى أنه يجوز لغير المحرم أكله.
وسبب اختلافهم هو الأصل المشهور، وهو هل النهي يعود بفساد المنهي؟ أم لا؟ وذلك بمنزلة ذبح السارق والغاصب.
واختلفوا من هذا الباب في كلب المجوس المعلم، فقال مالك: الاصطياد به جائز، فإن المعتبر الصائد لا الآلة، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهم. وكرهه جابر بن عبد الله، والحسن، وعطاء، ومجاهد، والثوري؛ لأن الخطاب في قوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} [المائدة: 4]- متوجه نحو المؤمنين، وهذا كاف بحسب المقصود من هذا الكتاب، والله الموفق للصواب.