وأما المرأة والصبي: فإن الجمهور على أن ذبائحهم جائزة غير مكروهة، وهو مذهب مالك، وكره ذلك أبو المصعب.
والسبب في اختلافهم: نقصان المرأة والصبي، وإنما لم يختلف الجمهور في المرأة لحديث معاذ بن سعيد: «أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى بسلع فأصيبت شاة، فأدركتها فذبحتها بحجر، فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: لا بأس بها فكلوها» . وهو حديث صحيح.
وأما المجنون والسكران: فإن مالكا لم يجز ذبيحتهما، وأجاز ذلك الشافعي.
وسبب الخلاف: اشتراط النية في الذكاة، فمن اشترط النية منع ذلك، إذ لا يصح من المجنون ولا من السكران وبخاصة الملتخ.
وأما جواز تذكية السارق والغاصب: فإن الجمهور على جواز ذلك. ومنهم من منع ذلك ورأى أنها ميتة، وبه قال داود وإسحاق ابن راهويه.
وسبب اختلافهم: هل النهي يدل على فساد المنهي عنه أو لا يدل؟ فمن قال: يدل، قال: السارق والغاصب منهي عن ذكاتها وتناولها وتملكها، فإذا كان ذكاها فسدت التذكية. ومن قال: لا يدل إلا إذا كان المنهي عنه شرطا من شروط ذلك الفعل قال: تذكيتهم جائزة، لأنه ليس صحة الملك شرطا من شروط التذكية.
وفي موطأ ابن وهب: «أنه سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها فلم ير بها بأسا» . وقد جاء إباحة ذلك مع الكراهية فيما روي «عن النبي عليه - عليه الصلاة والسلام - في الشاة التي ذبحت بغير إذن ربها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أطعموها الأسارى» .
وهذا القدر كاف في أصول هذا الكتاب، والله أعلم.
[كتاب الصيد]
[الباب الأول في حكم الصيد وفي محل الصيد]
وهذا الكتاب في أصوله أيضا أربعة أبواب:
الأول: في حكم الصيد، وفي محل الصيد.
الثاني: فيما به يكون الصيد.
الثالث: في صفة ذكاة الصيد، والشرائط المشترطة في عمل الذكاة في الصيد.
الرابع: فيمن يجوز صيده.
الباب الأول: في حكم الصيد ومحله فأما حكم الصيد فالجمهور على أنه مباح؛ لقوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] ، ثم قال: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] . واتفق العلماء على أن الأمر بالصيد في هذه الآية بعد النهي يدل على الإباحة، كما اتفقوا على ذلك في قوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] . أعني أن المقصود به الإباحة؛ لوقوع الأمر بعد النهي، وإن كان اختلفوا هل الأمر بعد النهي يقتضي الإباحة؟ أو لا يقتضيه، وإنما يقتضي على أصله الوجوب؟
وكره مالك الصيد الذي يقصد به السرف، وللمتأخرين من أصحابه فيه تفصيل، محصول قولهم فيه أن منه ما هو في حق بعض الناس واجب، وفي حق بعضهم مندوب، وفي حق بعضهم مكروه.
وهذا النظر في الشرع تغلغل في القياس وبعد عن الأصول المنطوق بها في الشرع، فليس يليق بكتابنا هذا؛ إذ كان قصدنا فيه إنما هو ذكر المنطوق به من الشرع، أو ما كان قريبا من المنطوق به.
وأما محل الصيد فإنهم أجمعوا على أن محله من الحيوان البحري، وهو السمك وأصنافه، ومن الحيوان البري الحلال الأكل الغير مستأنس.
واختلفوا فيما استوحش من الحيوان المستأنس فلم يقدر على أخذه ولا ذبحه أو نحره، فقال مالك: لا يؤكل إلا أن ينحر من ذلك ما ذكاته