والثاني الاشتراك الذي في الألفاظ، وذلك إما في اللفظ المفرد كلفظ القرء الذي ينطلق على الأطهار وعلى الحيض، وكذلك لفظ الأمر هل يحمل على الوجوب أو الندب، ولفظ النهي هل يحمل على التحريم أو على الكراهية؟
وأما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى {إلا الذين تابوا} [البقرة: 160] فإنه يحتمل أن يعود على الفاسق فقط، ويحتمل أن يعود على الفاسق والشاهد، فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف.
والثالث: اختلاف الإعراب، والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز، التي هي: إما الحذف، وإما الزيادة، وإما التقديم، وإما التأخير، وإما تردده على الحقيقة أو الاستعارة.
والخامس: إطلاق اللفظ تارة، وتقييده تارة أخرى، مثل إطلاق الرقبة في العتق تارة، وتقييدها بالإيمان تارة.
والسادس: التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها الشرع الأحكام بعضها مع بعض، وكذلك التعارض الذي يأتي في الأفعال أو في الإقرارات، أو تعارض القياسات أنفسها، أو التعارض الذي يتركب من هذه الأصناف الثلاثة: أعني معارضة القول للفعل أو للإقرار أو للقياس، ومعارضة الفعل للإقرار أو للقياس، ومعارضة الإقرار للقياس.
قال القاضي - رضي الله عنه -: وإذ قد ذكرنا بالجملة هذه الأشياء، فلنشرع فيما قصدنا له، مستعينين بالله، ولنبدأ من ذلك بكتاب الطهارة على عاداتهم.
[كتاب الطهارة من الحدث]
[كتاب الوضوء]
[الباب الأول الدليل على وجوب الوضوء]
فنقول: إنه اتفق المسلمون على أن الطهارة الشرعية طهارتان: طهارة من الحدث، وطهارة من الخبث، واتفقوا على أن الطهارة من الحدث ثلاثة أصناف: وضوء، وغسل، وبدل منهما وهو التيمم، وذلك لتضمن ذلك آية الوضوء الواردة في ذلك، فلنبدأ من ذلك بالقول في الوضوء، فنقول:
كتاب الوضوء إن القول المحيط بأصول هذه العبادة ينحصر في خمسة أبواب:
الباب الأول: في الدليل على وجوبها، وعلى من تجب، ومتى تجب.
الثاني: في معرفة أفعالها.
الثالث: في معرفة ما به تفعل وهو الماء.
الرابع: في معرفة نواقضها.
الخامس: في معرفة الأشياء التي تفعل من أجلها.
الباب الأول فأما الدليل على وجوبها فالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] الآية.
فإنه اتفق المسلمون على أن امتثال هذا الخطاب واجب على كل من لزمته الصلاة إذا دخل وقتها.
وأما السنة فقوله - عليه الصلاة والسلام -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» ، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ» . وهذان الحديثان ثابتان عند أئمة النقل.
وأما الإجماع فإنه لم ينقل عن أحد من المسلمين في ذلك خلاف، ولو كان هناك خلاف لنقل، إذ العادات تقتضي ذلك.
وأما من تجب عليه: فهو البالغ العاقل، وذلك أيضا ثابت بالسنة والإجماع. أما السنة: فقوله - عليه الصلاة والسلام -: «رفع القلم عن ثلاث، فذكر الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق» . وأما الإجماع: فإنه لم ينقل في ذلك خلاف، واختلف الفقهاء هل من شرط
وجوبها الإسلام أم لا؟ وهي مسألة قليلة الغناء في الفقه، لأنها راجعة إلى الحكم الأخروي. وأما متى تجب، فإذا دخل وقت الصلاة، وأراد الإنسان الفعل الذي الوضوء شرط فيه، وإن لم يكن ذلك متعلقا بوقت، أما وجوبه عند دخول وقت الصلاة على المحدث فلا خلاف فيه لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6] الآية، فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، ومن شروط الصلاة دخول الوقت. وأما دليل وجوبه عند إرادة الأفعال التي هو شرط فيها فسيأتي ذلك عند ذكر الأشياء التي يفعل الوضوء من أجلها، واختلاف الناس في ذلك.