وأما إذا علم أنهم ذبحوا ذلك لأعيادهم وكنائسهم فإن من العلماء من كرهه، وهو قول مالك. ومنهم من أباحه، وهو قول أشهب. ومنهم من حرمه، وهو الشافعي.
وسبب اختلافهم تعارض عمومي الكتاب في هذا الباب، وذلك أن قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] يحتمل أن يكون مخصصا لقوله تعالى: {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] . ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] مخصصا لقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] إذ كان كل واحد منهما يصح أن يستثنى من الآخر.
فمن جعل قوله تعالى: {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] مخصصا لقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] قال: لا يجوز ما أهل به للكنائس والأعياد. ومن عكس الأمر قال: يجوز.
وأما إذا كانت الذبيحة مما حرمت عليهم، فقيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، وقيل: بالفرق بين أن تكون محرمة عليهم بالتوراة، أو من قبل أنفسهم أعني بإباحة ما ذبحوا مما حرموا على أنفسهم ومنع ما حرم الله عليهم، وقيل: يكره ولا يمنع، والأقاويل الأربعة موجودة في المذهب: المنع عن ابن القاسم، والإباحة عن ابن وهب وابن عبد الحكم، والتفرقة عن أشهب.
وأصل الاختلاف: معارضة عموم الآية لاشتراط نية الذكاة أعني اعتقاد تحليل الذبيحة بالتذكية) .
فمن قال: ذلك شرط في التذكية قال: لا تجوز هذه الذبائح، لأنهم لا يعتقدون تحليلها بالتذكية. ومن قال: ليس بشرط فيها ; وتمسك بعموم الآية المحللة قال: تجوز هذه الذبائح.
وهذا بعينه هو سبب اختلافهم في أكل الشحوم من ذبائحهم، ولم يخالف في ذلك أحد غير مالك وأصحابه، فمنهم من قال: إن الشحوم محرمة وهو قول أشهب. ومنهم من قال: مكروهة، والقولان عن مالك. ومنهم من قال: مباحة.
ويدخل في الشحوم سبب آخر من
أسباب الخلاف سوى معارضة العموم لاشتراط اعتقاد تحليل الذبيحة بالذكاة، وهو هل تتبعض التذكية أو لا تتبعض؟ .
فمن قال: تتبعض قال: لا تؤكل الشحوم، ومن قال لا تتبعض قال: يؤكل الشحم.
ويدل على تحليل شحوم ذبائحهم حديث عبد الله بن مغفل «إذ أصاب جراب الشحم يوم خيبر» ، وقد تقدم في كتاب الجهاد.
; ومن فرق بين ما حرم عليهم من ذلك في أصل شرعهم وبين ما حرموا على أنفسهم قال: ما حرم عليهم هو أمر حق، فلا تعمل فيه الذكاة، وما حرموا على أنفسهم هو أمر باطل، فتعمل فيه التذكية.
قال القاضي: والحق أن ما حرم عليهم أو حرموا على أنفسهم هو في وقت شريعة الإسلام أمر باطل، إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع، فيجب أن لا يراعى اعتقادهم في ذلك.
ولا يشترط أيضا أن يكون اعتقادهم في تحليل الذبائح اعتقاد المسلمين، ولا اعتقاد شريعتهم، لأنه لو اشترط ذلك لما جاز أكل ذبائحهم بوجه من الوجوه، لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخا، واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم، وإنما هذا حكم خصهم الله تعالى به، فذبائحهم والله أعلم جائزة لنا على الإطلاق، وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة. فتأمل هذا فإنه بين، والله أعلم.
وأما المجوس: فإن الجمهور على أنه لا تجوز ذبائحهم لأنهم مشركون، وتمسك قوم في إجازتها بعموم قوله - عليه الصلاة والسلام -: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» .
وأما الصابئون: فالاختلاف فيهم من قبل اختلافهم في: هل هم من أهل الكتاب أم ليسوا من أهل الكتاب؟