[الفصل الثالث معرفة الشيء الذي يلزم عن النذر وأحكام ذلك]
[المسألة الأولى الواجب في النذر المطلق]
الفصل الثالث: في معرفة الشيء الذي يلزم عنها وأحكامها وأما اختلافهم في ماذا يلزم في نذر نذر من النذور وأحكام ذلك؟ فإن فيه اختلافا كثيرا، لكن نشير نحن من ذلك إلى مشهورات المسائل في ذلك، وهي التي تتعلق بأكثر ذلك بالنطق الشرعي على عادتنا في هذا الكتاب، وفي ذلك مسائل خمس:
المسألة الأولى: اختلفوا في الواجب في النذر المطلق الذي ليس يعين فيه الناذر شيئا سوى أن يقول: لله علي نذر، فقال كثير من العلماء: في ذلك كفارة يمين لا غير. وقال قوم: بل فيه كفارة الظهار. وقال قوم: أقل ما ينطلق عليه الاسم من القرب: صيام يوم أو صلاة ركعتين.
وإنما صار الجمهور لوجوب كفارة اليمين فيه، للثابت من حديث عقبة بن عامر أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: «كفارة النذر كفارة يمين» خرجه مسلم.
وأما من قال: صيام يوم، أو صلاة ركعتين ; فإنما ذهب مذهب من يرى أن المجزئ أقل ما ينطلق عليه الاسم، وصلاة ركعتين أو صيام يوم أقل ما ينطلق عليه اسم النذر.
وأما من قال: فيه كفارة الظهار ; فخارج عن القياس والسماع.
المسألة الثانية: اتفقوا على لزوم النذر بالمشي إلى بيت الله أعني: إذا نذر المشي راجلا، واختلفوا إذا عجز في بعض الطريق، فقال قوم: لا شيء عليه. وقال قوم: عليه.
واختلفوا في ماذا عليه على ثلاثة أقوال:
فذهب أهل المدينة إلى أن عليه أن يمشي مرة أخرى من حيث عجز، وإن شاء ركب وأجزأه وعليه دم، وهذا مروي عن علي.
وقال أهل مكة: عليه هدي دون إعادة مشي.
وقال مالك: عليه الأمران جميعا (يعني: أنه يرجع فيمشي من حيث وجب وعليه هدي، والهدي عنده بدنة أو بقرة أو شاة إن لم يجد بقرة أو بدنة.
وسبب اختلافهم: منازعة الأصول لهذه المسألة ومخالفة الأثر لها. وذلك أن من شبه العاجز إذا مشى مرة ثانية
بالمتمتع والقارن من أجل أن القارن فعل ما كان عليه في سفرين في سفر واحد ; وهذا فعل ما كان عليه في سفر واحد في سفرين قال: يجب عليه هدي القارن أو المتمتع.
ومن شبهه بسائر الأفعال التي تنوب عنها في الحج إراقة الدم قال: فيه دم.
ومن أخذ بالآثار الواردة في هذا الباب قال: إذا عجز فلا شيء عليه.
قال أبو عمر: والسنن الواردة الثابتة في هذا الباب دليل على طرح المشقة، وهو كما قال:
وأحدها: حديث عقبة بن عامر الجهني قال: «نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله عز وجل فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاستفتيت لها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " لتمش ولتركب» خرجه مسلم.
وحديث أنس بن مالك: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يهادى بين ابنتيه، فسأل عنه فقالوا: نذر أن يمشي، فقال - عليه الصلاة والسلام -: إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه، وأمره أن يركب» وهذا أيضا ثابت.
المسألة الثالثة: اختلفوا بعد اتفاقهم على لزوم المشي في حج أو عمرة فيمن نذر أن يمشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى بيت المقدس، يريد بذلك الصلاة فيهما، فقال مالك، والشافعي: يلزمه المشي. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه شيء، وحيث صلى أجزأه، وكذلك عنده إن نذر الصلاة في المسجد الحرام، وإنما وجب عنده المشي إلى المسجد الحرام لمكان الحج والعمرة. وقال أبو يوسف صاحبه: من نذر أن يصلي في بيت المقدس أو في مسجد النبي - عليه الصلاة والسلام - لزمه، وإن صلى في البيت الحرام أجزأه عن ذلك، وأكثر الناس على أن النذر لما سوى هذه المساجد الثلاثة لا يلزم لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «لا تسرج المطي إلا لثلاث، فذكر المسجد الحرام، ومسجده، وبيت المقدس» . وذهب بعض الناس إلى أن النذر إلى المساجد التي يرجى فيها فضل زائد واجب، واحتج في ذلك بفتوى ابن عباس لولد المرأة التي نذرت أن تمشي إلى مسجد قباء فماتت: أن يمشي عنها.