[الفصل الثاني في حكم الأربعة الأخماس]
أجمع جمهور العلماء على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين إذا خرجوا بإذن الإمام. واختلفوا في الخارجين بغير إذن الإمام، وفيمن يجب له سهمه من الغنيمة، ومتى يجب، وكم يجب، وفيما يجوز له من الغنيمة قبل القسم؟
فالجمهور على أن أربعة أخماس الغنيمة للذين غنموها، خرجوا بإذن الإمام أو بغير ذلك؛ لعموم قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} [الأنفال: 41] الآية. وقال قوم: إذا خرجت السرية، أو الرجل الواحد، بغير إذن الإمام - فكل ما ساق نفل يأخذه الإمام. وقال قوم: بل يأخذه كله الغانم.
فالجمهور تمسكوا بظاهر الآية، وهؤلاء كأنهم اعتمدوا صورة الفعل الواقع من ذلك في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أن جميع السرايا إنما كانت تخرج عن إذنه - عليه الصلاة والسلام -، فكأنهم رأوا أن إذن الإمام شرط في ذلك، وهو ضعيف.
وأما من له السهم من الغنيمة فإنهم اتفقوا على الذكران الأحرار البالغين، واختلفوا في أضدادهم أعني: في النساء، والعبيد، ومن لم يبلغ من الرجال ممن قارب البلوغ. فقال قوم: ليس للعبيد، ولا للنساء حظ من الغنيمة، ولكن يرضخ لهم. وبه قال مالك، وقال قوم: لا يرضخ، ولا لهم حظ الغانمين. وقال قوم: بل لهم حظ واحد من الغانمين، وهو قول الأوزاعي.
وكذلك اختلفوا في الصبي المراهق؛ فمنهم من قال: يقسم له، وهو مذهب الشافعي. ومنهم من اشترط في ذلك أن يطيق القتال، وهو مذهب مالك. ومنه من قال: يرضخ له. وسبب اختلافهم في العبيد هو هل عموم الخطاب يتناول الأحرار والعبيد معا؟ أم الأحرار فقط دون العبيد؟ وأيضا فعمل الصحابة معارض لعموم الآية، وذلك أنه انتشر فيهم - رضي الله عنهم - أن الغلمان لا سهم لهم، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، ذكره ابن أبي شيبة من طرق عنهما.
قال أبو عمر بن عبد البر: أصح ما روي من ذلك عن عمر ما رواه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قال عمر: ليس أحد إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم.
وإنما صار الجمهور إلى أن المرأة لا يقسم لها ويرضخ بحديث أم عطية الثابت، قالت: «كنا نغزو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنداوي الجرحى، ونمرض المرضى، وكان يرضخ لنا من الغنيمة» .
وسبب اختلافهم هو اختلافهم في تشبيه المرأة بالرجل في كونها إذا غزت لها تأثير في الحرب؟ أم لا؟ فإنهم اتفقوا على أن النساء مباح لهن الغزو، فمن شبههن بالرجال أوجب لهن نصيبا في الغنيمة. ومن رآهن ناقصات عن الرجال في هذا المعنى إما لم يوجب لهن شيئا، وإما أوجب لهن دون حظ الغانمين، وهو الأرضاخ، والأولى اتباع الأثر. وزعم الأوزاعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسهم للنساء بخيبر.
وكذلك اختلفوا في التجار والأجراء هل يسهم لهم؟ أم لا؟ فقال مالك: لا يسهم لهم إلا أن يقاتلوا. وقال قوم: بل يسهم إذا شهدوا القتال. وسبب اختلافهم هو تخصيص عموم قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] بالقياس الذي يوجب الفرق بين هؤلاء وسائر الغانمين، وذلك أن من رأى أن التجار والأجراء حكمهم حكم خلاف سائر المجاهدين؛ لأنهم لم يقصدوا القتال، وإنما قصدوا إما التجارة وإما الإجارة - استثناهم من ذلك العموم. ومن رأى أن العموم أقوى من هذا القياس أجرى العموم على ظاهره.