وأما المحصر بمرض فإن مذهب الشافعي وأهل الحجاز أنه لا يحله إلا الطواف بالبيت والسعي ما بين الصفا والمروة، وأنه بالجملة يتحلل بعمرة؛ لأنه إذا فاته الحج بطول مرضه انقلب عمرة، وهو مذهب ابن عمر وعائشة وابن عباس. وخالف في ذلك أهل العراق، فقالوا: يحل مكانه، وحكمه حكم المحصر بعدو، أعني: أن يرسل هديه، ويقدر يوم نحره، ويحل في اليوم
الثالث. وبه قال ابن مسعود.
واحتجوا بحديث الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى» . وبإجماعهم على أن المحصر بعدو ليس من شرط إحلاله الطواف بالبيت. والجمهور على أن المحصر بمرض عليه الهدي.
وقال أبو ثور وداود: لا هدي عليه اعتمادا على ظاهر حكم هذا المحصر، وعلى أن الآية الواردة في المحصر هو حصر العدو.
وأجمعوا على إيجاب القضاء عليه، وكل من فاته الحج بخطأ من العدد في الأيام، أو بخفاء الهلال عليه، أو غير ذلك من الأعذار - فحكمه حكم المحصر بمرض عند مالك. وقال أبو حنيفة: من فاته الحج بعذر غير المرض يحل بعمرة، ولا هدي عليه، وعليه إعادة الحج. والمكي المحصر بمرض عند مالك كغير المكي يحل بعمرة، وعليه الهدي وإعادة الحج. وقال الزهري: لا بد أن يقف بعمرة، وإن نعش نعشا.
وأصل مذهب مالك أن المحصر بمرض إن بقي على إحرامه إلى العام المقبل حتى يحج حجة القضاء فلا هدي عليه، فإن تحلل بعمرة فعليه هدي المحصر؛ لأنه حلق رأسه قبل أن ينحر في حجة القضاء.
وكان من تأول قوله سبحانه: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} [البقرة: 196] أنه خطاب للمحصر، وجب عليه أن يعتقد على ظاهر الآية أن عليه هديين: هديا لحلقه عند التحلل قبل نحره في حجة القضاء، وهديا لتمتعه بالعمرة إلى الحج. وإن حل في أشهر الحج من العمرة وجب عليه هدي ثالث، وهو هدي التمتع الذي هو أحد أنواع نسك الحج.
وأما مالك - رحمه الله - فكان يتأول؛ لمكان هذا أن المحصر إنما عليه هدي واحد، وكان يقول: إن الهدي الذي في قوله سبحانه: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196]- هو بعينه الهدي الذي في قوله: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] .
وفيه بعد في التأويل، والأظهر أن قوله سبحانه: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} [البقرة: 196] ، أنه في غير المحصر بل هو في التمتع الحقيقي. فكأنه قال: فإذا لم تكونوا خائفين، لكن تمتعتم بالعمرة إلى الحج - فما استيسر من الهدي. ويدل على هذا التأويل قوله سبحانه: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: 196] . والمحصر يستوي فيه حاضر المسجد الحرام وغيره بإجماع.
وقد قلنا في أحكام المحصر الذي نص الله عليه، فلنقل في أحكام القاتل للصيد.