واختلفوا في تكريرها في السنة الواحدة مرارا، فكان مالك يستحب عمرة في كل سنة، ويكره وقوع عمرتين عنده وثلاثا في السنة الواحدة. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا كراهية في ذلك.
فهذا القول في شروط الإحرام الزمانية والمكانية، وينبغي بعد ذلك أن نصير إلى القول في الإحرام، وقبل ذلك ينبغي أن نقول في تروكه، ثم نقول بعد ذلك في الأفعال الخاصة بالمحرم إلى حين إحلاله، وهي أفعال الحج كلها وتروكه، ثم نقول في أحكام الإخلال بالتروك والأفعال، ولنبدأ بالتروك.
[ما يمنع الإحرام من الأمور المباحة للحلال]
القول في التروك
وهو ما يمنع الإحرام من الأمور المباحة للحلال والأصل في هذا الباب ما ثبت من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: «أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فيلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس» . فاتفق العلماء على بعض الأحكام الواردة في هذا الحديث، واختلفوا في بعضها.
فمما اتفقوا عليه أنه لا يلبس المحرم قميصا، ولا شيئا مما ذكر في هذا الحديث، ولا ما كان في معناه من مخيط الثياب، وأن هذا مخصوص بالرجال - أعني: تحريم لبس المخيط -، وأنه لا بأس للمرأة بلبس القميص والدرع والسراويل والخفاف والخمر.
واختلفوا فيمن لم يجد غير السراويل هل له لباسها؟ فقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز له لباس السراويل وإن لبسها افتدى. وقال الشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وداود: لا شيء عليه إذا لم يجد إزارا.
وعمدة مذهب مالك: ظاهر لحديث ابن عمر المتقدم، قال: ولو كان في ذلك رخصة لاستثناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استثنى في لبس الخفين.
وعمدة الطائفة الثانية: حديث عمرو بن
دينار عن جابر وابن عباس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «السراويل لمن لم يجد الإزار، والخف لمن لم يجد النعلين» .
وجمهور العلماء على إجازة لباس الخفين مقطوعين لمن لم يجد النعلين. وقال أحمد: جائز لمن لم يجد النعلين أن يلبس الخفين غير مقطوعين أخذا بمطلق حديث ابن عباس. وقال عطاء: في قطعهما فساد والله لا يحب الفساد.
واختلفوا فيمن لبسهما مقطوعين مع وجود النعلين، فقال مالك: عليه الفدية، وبه قال أبو ثور. وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه، والقولان عن الشافعي، وسنذكر هذا في الأحكام.
وأجمع العلماء على أن المحرم لا يلبس الثوب المصبوغ بالورس والزعفران ; لقوله - عليه الصلاة والسلام - في حديث ابن عمر: «لا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس» .
واختلفوا في المعصفر، فقال مالك: ليس به بأس فإنه ليس بطيب. وقال أبو حنيفة والثوري: هو طيب وفيه الفدية، وحجة أبي حنيفة ما خرجه مالك عن علي: «أن النبي - عليه الصلاة والسلام - نهى عن لبس القسي وعن لبس المعصفر» .
وأجمعوا على أن إحرام المرأة في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها، وأن لها أن تسدل ثوبها على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال إليها، كنحو ما روي عن عائشة أنها قالت: «كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن محرمون فإذا مر بنا ركب سدلنا على وجوهنا الثوب من قبل رءوسنا، وإذا جاوز الركب رفعناه» . ولم يأت تغطية وجوههن إلا ما رواه مالك عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: " كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق ".