وأما الطريق الرابع فهو أن يفهم من إيجاب الحكم لشيء ما نفي ذلك الحكم عما عدا ذلك الشيء، أو ما نفي الحكم عن شيء ما إيجابه لما عدا ذلك الشيء الذي نفي عنه، وهو الذي يعرف بدليل الخطاب، وهو أصل مختلف فيه، مثل قوله - عليه الصلاة والسلام - «في سائمة
الغنم الزكاة» فإن قوما فهموا منه أن لا زكاة في غير السائمة، وأما القياس الشرعي فهو إلحاق الحكم الواجب لشيء ما بالشرع بالشيء المسكوت عنه لشبهه بالشيء الذي أوجب الشرع له ذلك الحكم أو لعلة جامعة بينهما، ولذلك كان القياس الشرعي صنفين: قياس شبه، وقياس علة، والفرق بين القياس الشرعي واللفظ الخاص يراد به العام: أن القياس يكون على الخاص الذي أريد به الخاص، فيلحق به غيره، أعني أن المسكوت عنه يلحق بالمنطوق به من جهة الشبه الذي بينهما، لا من جهة دلالة اللفظ، لأن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من جهة تنبيه اللفظ ليس بقياس، وإنما هو من باب دلالة اللفظ، وهذان الصنفان يتقاربان جدا، لأنهما إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به، وهما يلتبسان على الفقهاء كثيرا جدا.
فمثال القياس: إلحاق شارب الخمر بالقاذف في الحد، والصداق بالنصاب في القطع، وأما إلحاق الربويات بالمقتات أو بالمكيل أو بالمطعوم، فمن باب الخاص أريد به العام، فتأمل هذا، فإن فيه غموضا.
والجنس الأول هو الذي ينبغي للظاهرية أن تنازع فيه، وأما الثاني، فليس ينبغي لها أن تنازع فيه ; لأنه من باب السمع، والذي يرد ذلك يرد نوعا من خطاب العرب.
وأما الفعل: فإنه عند الأكثر من الطرق التي تتلقى منها الأحكام الشرعية، وقال قوم: الأفعال ليست تفيد حكما إذ ليس لها صيغ، والذين قالوا: إنها تتلقى منها الأحكام اختلفوا في نوع الحكم الذي تدل عليه، فقال قوم: تدل على الوجوب، وقال قوم: تدل على الندب، والمختار عند المحققين أنها إن أتت بيانا لمجمل واجب دلت على الوجوب، وإن أتت بيانا لمجمل مندوب إليه دلت على الندب ; وإن لم تأت بيانا لمجمل، فإن كانت من جنس القربة دلت على الندب، وإن كانت من جنس المباحات دلت على الإباحة.
وأما الإقرار: فإنه يدل على الجواز.
فهذه أصناف الطرق التي تتلقى منها الأحكام أو تستنبط.
وأما الإجماع فهو مستند إلى أحد هذه الطرق الأربعة، إلا أنه إذا وقع في واحد منها، ولم يكن قطعيا، نقل الحكم من غلبة الظن إلى القطع. وليس الإجماع أصلا مستقلا بذاته من غير إسناد إلى واحد من هذه الطرق، لأنه لو كان كذلك لكان يقتضي إثبات شرع زائد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان لا يرجع إلى أصل من الأصول الشرعية.
وأما المعاني المتداولة المتأدية من هذه الطرق اللفظية للمكلفين، فهي بالجملة: إما أمر بشيء، وإما نهي عنه، وإما تخيير فيه. والأمر إن فهم منه الجزم وتعلق العقاب بتركه سمي واجبا، وإن فهم منه الثواب على الفعل وانتفى العقاب مع الترك سمي ندبا، والنهي أيضا إن فهم منه الجزم وتعلق العقاب بالفعل سمي محرما ومحظورا، وإن فهم منه الحث على تركه من غير تعلق عقاب بفعله سمي مكروها، فتكون أصناف الأحكام الشرعية المتلقاة من هذه الطرق خمسة: واجب، ومندوب، ومحظور، ومكروه، ومخير فيه وهو المباح.
وأما أسباب الاختلاف بالجنس فستة: أحدها: تردد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع: أعني: بين أن يكون اللفظ عاما يراد به الخاص، أو خاصا يراد به العام، أو عاما يراد به العام، أو خاصا يراد به الخاص، أو يكون له دليل خطاب، أو لا يكون له.