وأما وقت السجود فإنهم اختلفوا فيه: فمنع قوم السجود في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وهو مذهب أبي حنيفة على أصله في منع الصلوات المفروضة في هذه الأوقات، ومنع مالك أيضا ذلك في الموطأ لأنها عنده من النفل، والنفل ممنوع في هذه الأوقات عنده. وروى ابن القاسم عنه أنه يسجد فيها بعد العصر ما لم تصفر الشمس أو تتغير، وكذلك بعد الصبح، وبه قال الشافعي، وهذا بناء على أنها سنة، وأن السنن تصلى في هذه الأوقات ما لم تدن الشمس من الغروب أو الطلوع.
وأما على من يتوجه حكمها؟ فأجمعوا على أنه يتوجه على القارئ في صلاة كان أو في غير صلاة.
واختلفوا في السامع هل عليه سجود أم لا؟ فقال أبو حنيفة: عليه السجود، ولم يفرق بين الرجل والمرأة. وقال مالك: يسجد السامع بشرطين: أحدهما إذا كان قعد ليسمع
القرآن، والآخر أن يكون القارئ يسجد، وهو مع هذا يصح أن يكون إماما للسامع. وروى ابن القاسم عن مالك أنه يسجد السامع، وإن كان القارئ ممن لا يصح للإمامة إذا جلس إليه.
وأما صفة السجود: فإن جمهور الفقهاء قالوا: إذا سجد القارئ كبر إذا خفض وإذا رفع، واختلف قول مالك في ذلك إذا كان في غير صلاة، وأما إذا كان في الصلاة فإنه يكبر قولا واحدا.
[كتاب أحكام الميت]
[الباب الأول فيما يستحب أن يفعل به عند الاحتضار وبعده]
والكلام في هذا الكتاب (وهي حقوق الأموات على الأحياء) . ينقسم إلى ست جمل:
الجملة الأولى: فيما يستحب أن يفعل به عند الاحتضار، وبعده.
الثانية: في غسله.
الثالثة: في تكفينه.
الرابعة: في حمله واتباعه.
الخامسة: في الصلاة عليه.
السادسة: في دفنه.
الباب الأول: فيما يستحب أن يفعل به عند الاحتضار وبعده.
ويستحب أن يلقن الميت عند الموت: شهادة أن لا إله إلا الله، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله» . وقوله: «من كان آخر قوله لا إله إلا الله دخل الجنة» .
واختلفوا في استحباب توجيهه إلى القبلة: فرأى ذلك قوم ولم يره الآخرون. وروي عن مالك أنه قال في التوجيه: ما هو من الأمر القديم. وروي عن سعيد بن المسيب أنه أنكر ذلك، ولم يرو ذلك عن أحد من الصحابة ولا من التابعين - أعني: الأمر بالتوجيه.
فإذا قضى الميت غمض عينيه، ويستحب تعجيل دفنه لورود الآثار بذلك، إلا الغريق، فإنه
يستحب في المذهب تأخير دفنه مخافة أن يكون الماء قد غمره فلم تتبين حياته.
قال القاضي: وإذا قيل هذا في الغريق فهو أولى في كثير من المرضى، مثل الذين يصيبهم انطباق العروق وغير ذلك مما هو معروف عند الأطباء، حتى لقد قال الأطباء إن المسكوتين لا ينبغي أن يدفنوا إلا بعد ثلاث.