وأما أحمد بن حنبل، فجاء نظره مختلطا من نظر أهل الظاهر ونظر أهل القياس، وذلك أنه اقتصر بالسجود كما قلنا بعد السلام على المواضع التي ورد فيها الأثر ولم يعده، وعدى السجود الذي ورد في المواضع التي قبل السلام.
ولكل واحد من هؤلاء أدلة يرجح بها مذهبه من جهة القياس - أعني: لأصحاب القياس -. وليس قصدنا في هذا الكتاب في الأكثر ذكر الخلاف الذي يوجبه القياس، كما ليس
قصدنا ذكر المسائل المسكوت عنها في الشرع إلا في الأقل، وذلك إما من حيث هي مشهورة وأصل لغيرها، وإما من حيث هي كثيرة الوقوع.
والمواضع الخمسة التي سها فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أحدها: أنه قام من اثنتين على ما جاء في حديث ابن بحينة.
والثاني: أنه سلم من اثنتين على ما جاء في حديث ذي اليدين.
والثالث: أنه صلى خمسا على ما في حديث ابن عمر، خرجه مسلم والبخاري.
والرابع: أنه سلم من ثلاث على ما في حديث عمران بن الحصين.
والخامس: السجود عن الشك على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري، وسيأتي بعد.
واختلفوا لماذا يجب سجود السهو؟ فقيل يجب للزيادة والنقصان، وهو الأشهر. وقيل: للسهو نفسه، وبه قال أهل الظاهر والشافعي.
[الفصل الثالث في معرفة الأقوال والأفعال التي يسجد لها]
الفصل الثالث. وأما الأقوال والأفعال التي يسجد لها: فإن القائلين بسجود السهو لكل نقصان أو زيادة وقعت في الصلاة عن طريق السهو اتفقوا على أن السجود يكون عن سنن الصلاة دون الفرائض ودون الرغائب.
فالرغائب لا شيء عندهم فيها - أعني: إذا سها عنها في الصلاة - ما لم يكن أكثر من رغيبة واحدة، مثل ما يرى مالك أنه لا يجب سجود من نسيان تكبيرة واحدة، ويجب من أكثر من واحدة.
وأما الفرائض فلا يجزئ عنها إلا الإتيان بها، وجبرها إذا كان السهو عنها مما لا يوجب إعادة الصلاة بأسرها، على ما تقدم فيما يوجب الإعادة وما يوجب القضاء - أعني: على من ترك بعض أركان الصلاة.
وأما سجود السهو للزيادة فإنه يقع عند الزيادة في الفرائض والسنن جميعا، فهذه الجملة لا اختلاف بينهم فيها، وإنما يختلفون من قبل اختلافهم فيما هو منها فرض أو ليس بفرض، وفيما هو منها سنة أو ليس بسنة، وفيما هو منها سنة أو رغيبة.
مثال ذلك: أن عند مالك ليس يسجد لترك القنوت لأنه عنده مستحب، ويسجد له عند الشافعي لأنه عنده سنة، وليس يخفى عليك هذا مما تقدم القول فيه من اختلافهم بين ما هو سنة أو فريضة أو رغيبة، وعند مالك
وأصحابه سجود السهو للزيادة اليسيرة في الصلاة، وإن كانت من غير جنس الصلاة.
وينبغي أن تعلم أن السنة والرغيبة هي عندهم من باب الندب، وإنما تختلفان عندهم بالأقل والأكثر - أعني: في تأكيد الأمر بها -، وذلك راجع إلى قرائن أحوال تلك العبادة، ولذلك يكثر اختلافهم في هذا الجنس كثيرا، حتى إن بعضهم يرى أن في بعض السنن ما إذا تركت عمدا إن كانت فعلا، أو فعلت عمدا إن كانت تركا أن حكمها حكم الواجب - أعني: في تعلق الإثم بها -، وهذا موجود كثيرا لأصحاب مالك.
وكذلك تجدهم قد اتفقوا ما خلا أهل الظاهر على أن تارك السنن المتكررة بالجملة آثم، مثل ما لو ترك إنسان الوتر أو ركعتي الفجر دائما لكان مفسقا آثما، فكأن العبادات بحسب هذا النظر منها ما فرض بعينها وجنسها مثل الصلوات الخمس، ومنها ما هي سنة بعينها فرض بجنسها مثل الوتر وركعتي الفجر وما أشبه ذلك من السنن. وكذلك قد تكون عند بعضهم الرغائب رغائب بعينها سننا بجنسها، مثل ما حكيناه عن مالك من إيجاب السجود لأكثر من تكبيرة واحدة - أعني: للسهو عنها -، ولا تكون فيما أحسب عند هؤلاء سنة بعينها وجنسها. وأما أهل الظاهر فالسنن عندهم هي سنن بعينها، لقوله - عليه الصلاة والسلام - للأعرابي الذي سأله عن فروض الإسلام: «أفلح إن صدق، دخل الجنة إن صدق» . وذلك بعد أن قال له: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه - يعني الفرائض -. وقد تقدم هذا الحديث.