الصلاتين في وقت إحداهما، شبه القضاء بالأداء.
وقد رأت المالكية أن توجب الترتيب للمقضية من جهة الوقت لا من جهة الفعل لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «فليصلها إذا ذكرها» قالوا: فوقت المنسية هو وقت الذكر، ولذلك وجب أن تفسد عليه الصلاة التي هو فيها في ذلك الوقت، وهذا لا معنى له ; لأنه إن كان وقت الذكر وقتا للمنسية، فهو بعينه أيضا وقت للحاضرة أو وقت للمنسيات إذا كانت أكثر من صلاة واحدة، وإذا كان الوقت واحدا فلم يبق أن يكون الفساد الواقع فيها إلا من قبل الترتيب بينها كالترتيب الذي يوجد في أجزاء الصلاة الواحدة، فإنه ليس إحدى الصلاتين أحق بالوقت من صاحبتها إذ كان وقتا لكليهما إلا أن يقوم دليل الترتيب، وليس هاهنا عندي شيء يمكن أن يجعل أصلا في هذا الباب لترتيب المنسيات إلا الجمع عند من سلمه، فإن الصلوات المؤداة أوقاتها مختلفة، والترتيب في القضاء إنما يتصور في الوقت الواحد بعينه للصلاتين معا، فافهم هذا فإن فيه غموضا، وأظن مالكا - رحمه الله - إنما قاس ذلك على الجمع وإنما صار الجميع إلى استحسان الترتيب في المنسيات إذا لم يخف فوات الحاضرة لصلاته - عليه الصلاة والسلام - الصلوات الخمس يوم الخندق مرتبة، وقد احتج بهذا من أوجب القضاء على العامد، ولا معنى لهذا، فإن هذا منسوخ، وأيضا، فإنه كان تركا لعذر، وأما التحديد في الخمس فما دونها فليس له وجه إلا أن يقال: إنه إجماع، فهذا حكم القضاء الذي يكون في فوات جملة الصلاة.
[قضاء بعض الصلاة]
وأما القضاء الذي يكون في فوات بعض الصلوات، فمنه ما يكون سببه النسيان، ومنه ما يكون سببه سبق الإمام للمأموم: (أعني: أن يفوت المأموم بعض صلاة الإمام)
فأما إذا فات المأموم بعض الصلاة، فإن فيه مسائل ثلاثا قواعد: إحداها: متى تفوت الركعة. والثانية: هل إتيانه بما فاته بعد صلاة الإمام أداء أو قضاء. والثالثة: متى يلزمه حكم صلاة الإمام ومتى لا يلزمه ذلك.
أما متى تفوته الركعة؟ فإن في ذلك مسألتين: إحداهما: إذا دخل والإمام قد أهوى إلى الركوع. والثانية: إذا كان مع الإمام في الصلاة فسها أن يتبعه في الركوع أو منعه ذلك ما وقع من زحام أو غيره.
; أما المسألة الأولى فإن فيها ثلاثة أقوال: أحدها: (هو الذي عليه الجمهور) : أنه إذا أدرك الإمام قبل أن يرفع رأسه من الركوع وركع معه، فهو مدرك للركعة، وليس عليه قضاؤها، وهؤلاء
اختلفوا: هل من شرط هذا الداخل أن يكبر تكبيرتين تكبيرة للإحرام وتكبيرة للركوع أو يجزيه تكبيرة الركوع؟ . وإن كانت تجزيه فهل من شرطها أن ينوي بها تكبيرة الإحرام أم ليس ذلك من شرطها؟ فقال بعضهم: بل تكبيرة واحدة تجزئه إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح، وهو مذهب مالك والشافعي، والاختيار عندهم تكبيرتان، وقال قوم: لا بد من تكبيرتين، وقال قوم: تجزئ واحدة وإن لم ينو بها تكبيرة الافتتاح. والقول الثاني أنه إذا ركع الإمام فقد فاتته الركعة، وأنه لا يدركها ما لم يدركه قائما، وهو المنسوب إلى أبي هريرة. والقول الثالث: أنه إذا انتهى إلى الصف الآخر، وقد رفع الإمام رأسه، ولم يرفع بعضهم، فأدرك ذلك أنه يجزيه ; لأن بعضهم أئمة لبعض، وبه قال الشعبي.
وسبب هذا الاختلاف: تردد اسم الركعة بين أن يدل على الفعل نفسه الذي هو الانحناء فقط، أو على الانحناء والوقوف معا، وذلك أنه قال - عليه الصلاة والسلام -: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة» قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمن كان اسم الركعة ينطلق عنده على القيام والانحناء معا قال: إذا فاته قيام الإمام فقد فاتته الركعة، ومن كان اسم الركعة ينطلق عنده على الانحناء نفسه جعل إدراك الانحناء إدراكا للركعة، والاشتراك الذي عرض لهذا الاسم إنما هو من قبل تردده بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، وذلك أن اسم الركعة ينطلق لغة على الانحناء، وينطلق شرعا على القيام والركوع والسجود فمن رأى أن اسم الركعة ينطلق في قوله - عليه الصلاة والسلام - «من أدرك ركعة» على الركعة الشرعية، ولم يذهب مذهب الأخذ ببعض ما تدل عليه الأسماء قال: لا بد أن يدرك مع الإمام الثلاثة الأحوال (أعني: القيام، والانحناء، والسجود) ، ويحتمل أن يكون من ذهب إلى اعتبار الانحناء فقط أن يكون اعتبر أكثر ما يدل عليه الاسم هاهنا ; لأن من أدرك الانحناء فقد أدرك منها جزأين، ومن فاته الانحناء إنما أدرك منها جزءا واحدا فقط، فعلى هذا يكون الخلاف آيلا إلى اختلافهم في الأخذ ببعض دلالة الأسماء أو بكلها، فالخلاف يتصور فيها من الوجهين جميعا.