باب صلاة الجماعة
(فصل وصلاة الجماعة مؤكدة وعلى المأموم أن ينوي الجماعة دون الإمام)
الأصل في مشروعية الجماعة الكتاب والسنة وإجماع الأمة قال تعالى {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك} الآية أمر بالجماعة في قوله فلتقم فعند الأمن أولى وهي فرض عين في الجمعة وأما في غيرها ففيه خلاف الصحيح عند الرافعي أنها سنة وقيل فرض كفاية وصححه النووي وقيل فرض عين وصححه ابن المنذر وابن خزيمة وحجة من قال إنها سنة قوله صلى الله عليه وسلم
(صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) وروى البخاري بخمس وعشرين درجة من رواية أبي سعيد فقوله صلى الله عليه وسلم أفضل يقتضي جواز الأمرين إذ المفاضلة تقتضي ذلك فلو كان أحد الامرين ممنوعا لما جاءت هذه الصيغة وحجة من قال بفرض الكفاية قوله صلى الله عليه وسلم
(ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) وحجة من قال إنها فرض عين أحاديث منهما قوله صلى الله عليه وسلم
(لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق مع رجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) وجوابه أنه لم يحرق وإن هذا كان في المنافقين واعلم أن الجماعة تحصل بصلاة الرجل في بيته مع زوجته وغيرها لكنها في المسجد أفضل وحيث كان الجمع من المساجد أكثر فهو أفضل فلو كان بقربه مسجد قليل الجمع وبالبعيد مسجد كثير الجمع فالبعيد أفضل إلا في حالتين
أحدهما أن تتعطل جماعة القريب لعدوله عنه
الثانية أن يكون إمام البعيد مبتدعا كالمعتزلي غيره وكذا لو كان حنفيا لأنه لا يعتقد وجوب بعض الأركان وكذا المالكي وغيره والفاسق كالمبتدع وأشد الفساق قضاة الظلمة والرشا بل قال أبو إسحاق رضي الله عنه إن الصلاة منفردا أفضل من الصلاة خلف الحنفي ولو أدرك المسبوق الامام قبل أن يسلم أدرك فضيلة الجماعة على الصحيح الذي قطع به الجمهور لقوله
صلى الله عليه وسلم
(إذا جاء أحدكم الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة) وقال الغزالي لا تدرك الجماعة إلا بإدراك ركعة قال في أصل الروضة وهو شاذ ضعيف قلت وما قاله الغزالي جزم به الفوراني ونقله الجيلي عن المراوزة ونقله القاضي حسين عن عامة الأصحاب إلا أنه قال في موضع آخر ولو دخل جماعة فوجدوا الامام في القعدة الأخيرة فالمستحب أن يقتدوا به لأن هذه فضيلة محققة فلا يتركوا الاقتداء به فيصلون جماعة ثانيا لأنها فضيلة موهومة والله أعلم
ولو أدرك المسبوق الامام في الركوع فهل يدرك الركعة الصحيح الذي عليه الناس وأطبق عليه الأئمة كما قاله في أصل الروضة أنه يكون مدركا لها قال الماوردي وهو مجمع عليه ودعوى الاجماع ممنوع فقد قال ابن خزيمة والصبغي من أصحابنا لا يدرك الركعة ونقله عنهما الرافعي والنووي قلت كذا ابن أبي هريرة رضي الله عنهم وقال البخاري إنما أجاز ذلك من الصحابة من لم ير القراءة خلف الإمام وأما من رآها فلا وحكى ابن الرفعة عن بعض شروح المهذب أنه إذا قصر في التكبير حتى ركع الامام لا يكون مدركا للركعة وحكى الروياني عن بعضهم أنه يكون مدركا للركعة بإدراك الركوع إذا كان الامام بالغا لا صبيا وزيفه والله أعلم