قيل: هذا أمر بأمر في مباح حلال له، فأحللت له ما حل له، وحرمت عليه ما حرم عليه، وما حرم عليه غير ما أحل له، ومعصيته في الشيء المباح له لا تحرمه عليه بكل حال، ولكن تحرم عليه أن يفعل فيه المعصية.
فإن قيل: فما مثل هذا؟
قيل له: الرجل له الزوجة والجارية، وقد نهي أن يطأهما حائضتين وصائمتين، ولو فعل لم يحل ذلك الوطء له [ص: 355] في حاله تلك، ولم تحرم واحدة منهما عليه في حال غير تلك الحال، إذا كان أصلهما مباحا وحلالا.
وأصل مال الرجل محرم على غيره إلا بما أبيح به مما يحل، وفروج النساء محرمات إلا بما أبيحت به من النكاح والملك، فإذا عقد عقدة النكاح أو البيع منهيا عنها على محرم لا يحل إلا بما أحل به، لم يحل المحرم بمحرم، وكان على أصل تحريمه، حتى يؤتى بالوجه الذي أحله الله به في كتابه، أو على لسان رسوله، أو إجماع المسلمين، أو ما هو في مثل معناه.
قال: وقد مثلت قبل هذا: النهي الذي أريد به غير التحريم بالدلائل، فاكتفيت من ترديده، وأسأل الله العصمة والتوفيق. PageV01P353
[باب العلم]
(1)
قال "الشافعي": فقال لي قائل: ما العلم؟ وما يجب على الناس في العلم؟
فقلت له: العلم علمان: علم عامة، لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهله.
قال: ومثل ماذا؟
قلت: مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم شهر رمضان، وحج البيت إذا استطاعوه، وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر، وما كان في معنى [ص: 358] هذا، مما كلف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عنه ما حرم عليهم منه.
وهذا الصنف كله من العلم موجود نصا في كتاب الله، وموجودا (2) عاما عند أهل الإسلام، ينقله عوامهم عن من مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم. [ص: 359] وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر، ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع.
قال: فما الوجه الثاني؟
قلت له: ما ينوب العباد من فروع الفرائض، وما يخص به من الأحكام وغيرها، مما ليس فيه نص كتاب، ولا في أكثره نص سنة، وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة، لا أخبار العامة، وما كان منه يحتمل التأويل ويستدرك قياسا.
قال: فيعدو هذا أن يكون واجبا وجوب العلم قبله؟ أو موضوعا عن الناس علمه، حتى يكون من علمه منتفلا، [ص: 360] ومن ترك علمه غير آثم بتركه، أو من وجه ثالث، فتوجدناه خبرا أو قياسا؟
فقلت له: بل هو من وجه ثالث.
قال: فصفه واذكر الحجة فيه، ما يلزم منه، ومن يلزم، وعن من يسقط؟
فقلت له: هذه درجة من العلم ليس تبلغها العامة، ولم يكلفها كل الخاصة، ومن احتمل بلوغها من الخاصة فلا يسعهم كلهم كافة أن يعطلوها، وإذا قام بها من خاصتهم من فيه الكفاية لم يحرج غيره ممن تركها، إن شاء الله، والفضل فيها لمن قام بها على من عطلها.
فقال: فأوجدني هذا خبرا أو شيئا في معناه، ليكون هذا قياسا عليه؟ [ص: 361] فقلت له: فرض الله الجهاد في كتابه وعلى لسان نبيه، ثم أكد النفير من الجهاد، فقال: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم (111) " [التوبة] .